مريم: عندما يموت الأب وتتفوق الابنة

 

لم تعلم مريم كعابنة من مضارب العرجات أن الموت سيخطف والدها في وقت كانت هي على مقعد امتحانات الثانوية العامة، ورغم هذه الفاجعة تفوقت مريم في معدل التوجيهي وصنعت من الحزن طاقة أمل ووعد بينها وبين نفسها ان تفرح قلب والدها حتى وهو خارج الدنيا، بان تتفوق وتنجح وتواصل مسيرتها التعليمية الى ان يمنحها الله ما تريد من الدنيا والوظيفة والحياة. 

ولمريم فوق الظروف التي اصابتها حديثا، ظروف قديمة اصعب، فهي تعيش في مجتمع بدوي وفلاحي يحرم امثالها من المتفوقات من حقهن بالتعليم او يتجاهل هذا الحق عبر اجيال كثيرة من فتيات التجمعات البدوية اللواتي حرمن من تعليمهن المدرسي والجامعي، ولكن مريم لم تستسلم لهذا التقليد المسكوت عنه، لتبدأ عندها نقطة التحول في حياتها بصراع اخر وهو تحقيق حلم والدها بان يشاهدها فتاه تتوج بزي النجاح والتخرج.

وعن لحظة موت الوالد في الامتحانات الثانوية التي كانت تحلم ان تحصل فيها على اقصى درجات النجاح "احسست ان فقدان ابي افقدني كل تحصيلي من سنواتي الدراسية وانه لا داعي لأكمل هذا المسير.. لكن كل هذا التردد كان ابن اللحظات الاولى للوفاة، لكن سرعان من خرجت مريم من دائرة الانطواء الى دائرة القرار الصائب والمتحدي للظروف بان قررت ان تذهب بأحلامها واحلام والدها في الاتجاه الصحيح.

وكعابنة مثل باقي الفتيات في مجتمعها وفي منطقتها بالمعرجات، يحلمن بالتعليم ولكن من تكون صاحبه اراده وتتفوق تحصل عليه، ومن تهمل وتسكت ولا تطالب تفقد هذا الحق في مجتمع يرضى بان تخرج الفتيات من المدرسة في وقت مبكر لمساعدة العائلة او للزواج. 

التحدي هي الميزة التي ميزت مريم عن فتيات مجتمعها، قررت المواصلة لتحقيق قرار اتخذته منذ سنوات، وهو اسعاد والديها فهي دائما تتذكر بانهما ينتظران ضوء شمعة منذ 12 عاما، وهي تقول ان والدها سوف يبقى حيا في داخلها وانها سوف تتفوق وتفرحه بالنتيجة في الثانوية العامة عبر معدل وصل الى 93.7%.

"نجحت وتفوقت وحصلت على معدل لم أتوقعه وسأحقق حلمي بوقوف اهلي بجانبي متمسكة بعادات مجتمعي الايجابية ومتناسية للعادات السلبية"، هكذا تقول، واهلها الذين وقفوا بجانبها ليلا نهارا لاسعادها لم يتخل احد منهم عنها ولم يعارضوا تدريسها بالجامعة التي حرمت منها العديد من الفتيات المتفوقات في منطقتها، بسبب التفكير السلبي تجاه الدراسة الجامعية لدى ذلك المجتمع حيث التحقت بتخصص المحاسبة في جامعة القدس وهي الان بالسنة الثانية واستطاعت ان تقطع المواد بسرعة ويتوقع تخرجها السنة المقبلة.

وعن الجامعة، تقول مريم "سأتخرج السنة القادمة واتفوق في البكالوريوس واكمل الماجستير وسأواصل الى اقصى درجات العلم".

مريم فتاه من مكان ناء في المعرجات على مشارف اريحا، تمشي طويلا كل صباح كي تصل الشارع المعبد لتجد سيارة تغادر بها البادية الى المدينة، تودع مكانها صباحا وتسلم عليه مساء، وبالرغم من صعوبات العيش وقلة المواصلات وانعدامها احيانا، تواصل التحدي تاركة خلفها عشرات العقبات والازمات التي كانت تعايشها ليل ونهار لتجعل من نفسها فتاة، ينظر اليها الجميع بمحبة وتقدير واعجاب.

تسجل مريم في كل يوم نجاحا جديدا ينضاف الى سجل "البنت التي مات والدها وهي في امتحانات التوجيهي"، تسجل وتصعد النجاح درجة تلو درجة. فهي هنا صارت نموذجا لكل الفتيات والفتية، فموت الاب او فجائع العائلة ليست نهاية المطاف، فربما لو استثمرناها جيدا تكون الخطوة الاولى للنجاح والتميز. 

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018