مجرد لاجئة من فلسطين

 

إبراهيم شواهين أحد أبناء مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الواقع جنوب العاصمة السورية دمشق، كان له نصيب من المأساة السورية، فعند اشتداد الحرب بالمخيم قرر ان ينجو بعائلته المؤلفة من زوجته شادية واطفاله ربيع وفرح وأسماء، فذهب الى لبنان وتحديدا الى مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني.

سكن أبو ربيع وعائلته منزلا صغيرا قديما لا يصلح لتربية المواشي -ان صح التعبير- ولكن تدني أجرته كان سببا باستئجاره.

في بداية اللجوء الى لبنان عانى ابو ربيع من صعوبة التأقلم مع واقعه الجديد والبحث عن عمل يطعم به اطفاله. وبعد جهد جهيد، وجد عملا في محل للحدادة العامة ببضعة دولارات كانت كفيلة بتأمين قوت العائلة.

بعد مرور عامين على لجوء العائلة، أنجبت شادية آخر العنقود، وهي طفلة جميلة، جاءت لتكون البلسم على جرح اللجوء. قرر ابو ربيع تسميتها "شام"، وعند سؤال شادية له عن سبب تسميتها اجاب: للشام معزة في قلبي لا توصف، فلسطين كانت الام التي ولدتني ولكن الام التي ربتني وتعبت علي هي الشام".

مرت الايام متسارعة دون جديد يذكر بحالة العائلة والطفلة كبرت وأصبحت بنت ربيعين، لا بل بنت خريفين، لأن ايام اللاجئ لا تحمل زهور الربيع.

همٌّ كبير كانت تحمله الزوجة شادية بقلبها فالايام السالفة جعلتها تخاف من الايام القادمة، تخاف على مستقبل اطفالها ومصيرهم المجهول، ذلك الهم كان يكبر حتى ادى لجلطة قلبية.

وفي يوم هو الاقسى في تاريخ العائلة اصابت شادية جلطة قلبية، وفي الحقيقة الجلطة كانت لكل العائلة فأم ربيع كانت بمثابة شريان الحياة لعائلتها.

اسرع ابو ربيع يطلب نجدة جاره ليأخذ شادية الى مستشفى المخيم، ولكن ذلك المستشفى لم يكن قادرا على احتواء ومعالجة ما في قلب شادية من هموم، فحولها الى خارج اسوار المخيم، وهناك، وعلى الفور أدخلوها الى غرفة العناية الفائقة.

يقول ابو ربيع واصفا تلك الحادثة: لم أكن واعيا على ما يحدث حولي، كنت أدعو ربي في قرارة نفسي ان يكون كل ما يجري كابوسا عابرا، فتأتي بعد قليل شادية وتوقظني لنشرب قهوة الصباح سويةً، ولكن هذا لم يحدث، نعم هو كابوس ولكنه واقعي، شادية لن توقظني، اليوم انا من علي إيقاظها، وكم هي صعبةٌ تلك المهمة.

"كنت مشتتا لدرجة كبيرة فالتفكير بالاولاد يشغل بالي ايضا، وما زاد الطين بلة هو مطالبة المستشفى بدفع المستحقات المالية لشادية، استغربت من هذا الطلب لانني كنت اظن ان الاونروا تتكفل بدفع التكاليف  فذهبت الى مكتب الاونروا في مدينة صور لاستفسر منهم فاجابوني بأن حالة زوجتي تدخل ضمن التقليصات التي اقرتها الوكالة وأن الاونروا ستدفع جزءا من المستحقات ولكن ليس كلها.

كان ذلك الكلام ثقيل الوقع في نفس ابو ربيع، فمن أين سيأتي بمبلغ العلاج الكبير؟

مضت اربعة ايام على دخول شادية للمستشفى وابو ربيع لم يؤمن المبلغ، فقررت ادارة المستشفى ان تنقل شادية من غرفة العناية المركزة الى غرفة عادية، وعندما سأل ابو ربيع عن سبب ذلك اجابوه بانها تحسنت وأن طبيبها المختص امر بذلك.

لم تلبث شادية إلا ساعة واحدة فقط، فبدأت تلتقط أنفاسها الاخيرة متمنية ان تودع اطفالها فقط، ولكن لم يسعفها الوقت، فتوفيت، توفيت وفي قلبها غصة وشوق لأطفالها، توفيت لأن ابو ربيع لم يكن قادرًا على دفع تكاليف مكوثها بغرفة العناية، توفيت وتركت خلفها أربعة أطفال لا يقوون على إعالة أنفسهم.

أبو ربيع كان مذهولا مما يحدث، فبدأ يضرب رأسه بالجدران وأشبع المستشفى بالشتائم ولكن ما نفع هذا كله؟ لن تعود شادية لو حطم المستشفى بأكملها.

بعد التأكد من طبيب شادية بأنه لم يأمر بإخراجها من غرفة العناية تأكدت إدارة المستشفى ان ما حدث هو اهمال من موظفيها، فأعفت ابو ربيع من المستحقات ولكن ايضا ما نفع هذا كله؟ فشادية لن تعود لاطفالها بعد اليوم.

 

*كاتب من مخيم الرشيدية في جنوب لبنان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018