قلم الزيت والمعونة.. طقوس متوارثة في موسم الزيتون بسلفيت

 

 

مع إن تلوح الشمس بخجلٍ من خلف التلال شرقاً، حتى يستيقظ نظام الخطيب من نومه، استعداداً ليومٍ جديد من موسم قطف الزيتون. يركب دابته، بينما يستقل بقية أفراد العائلة سيّارةً للوصول للأرض الواقعة خلف الشارع الالتفافي في قرية دير إستيا بمحافظة سلفيت.

"آلاف العائلات تنتظر هذا الموسم كل عام، لتحصد ما زرعت ورعت وربّت طيلة أعوام كاملة"، يقول الخطيب، ويضيف ساخراً: "العالم يتغير وكبار السن لا يتغيرون، فقليلون هم الذين يفضلون ركوب الحمار على السيارة رغم التطور الذي واكب شتى مناحي الحياة حتى إنه وصل موسم الزيتون"، لافتاً إلى أن السيارة توصل العائلة حتى منتصف مسافة الطريق نحو أرضه فقط، وبعدها على أفراد عائلته الوصول مشياً على الأقدام، ومضى الخطيب بضحكته العفوية: "موسم الزيتون بلا حمار كالخيمة بلا أوتاد، فعملية نقل أكياس الزيتون المعبأة تتم على الحمار نظراً لوعورة معظم الطرق بين الأراضي الزراعية خاصة في المناطق البعيدة وغير المعبّدة خلف الشارع الاستيطاني".

يستقبل الخطيب يومه بدلّة القهوة التي تتوقد تحتها النيران، وبينما يُلقّم العيدان للموقد، يقول: "إبريق الشاي وغلاية القهوة لا تعوض في الزيتون، فلا أجود من القهوة التي تغلي على نار هادئة"، يضحك قليلا ثم يضيف بلغته المحكية: "إللي بروح يلقّط زيتون وما بعمل شاي أو قهوة، بكون مش رايح للزيتون، الإبريق المشحبر من معالم الموسم الثابتة".

 

قلم الزيت

منذ مئة عام ونيّف، لا يزال مزارعو مدينة سلفيت يحتفظون بتقليد "تضمين قلم الزيت" كطقسٍ يتم تنظيمه سنوياً قبيل بدء موسم الزيتون، ويتلخص التقليد في دفع المزارعين ضريبةً عن إنتاجهم من الزيت ليعود إليهم ما يدفعونه فيما بعد، يقول مدير الزراعة في سلفيت إبراهيم الحمد: "تنادي مكبرات الصوت داعيةً المزارعين للتجمع في موعدِ حفل التضمين السنوي، فيحضر الجميع في الموعد المحدد، ويتم البدء بمزاد علني يفوز به مزارع واحد"، ويشرح الحمد قلم الزيت: "كل مزارع يدفع قرشين بالعملة الأردنية أو ما يعادل ذلك عن كل كيلو زيتٍ ينتج من عصر الزيتون، والمزارع الفائز يجمع الضريبة من المزارعين عبر كشوفات يحصل عليها من مالكي معاصر الزيتون".

أما على صعيد أبرز الفوائد التي تعود على المزارعين من دفعهم لضريبة "قلم الزيت"، يوضح الحمد أن المزارع الفائز بقلم الزيت يُسلم أموال الضريبة لصندوق اللجنة الزراعية التابعة لمجلس بلدي سلفيت، ليتم استغلال الأموال على الوجه الأمثل فيما يتعلق في الأمور الزراعية، كأجور حرّاس أراضي الزيتون قبل بدء موسمه.

ما يجنيه المزارع الفائز بالتضمين هو احتفاظه بالمبلغ الزائد عن المال الذي وصل إليه المزاد، فمثلاً هذا العام قيمة الضمان بلغت أربعة آلاف دينارٍ أردني، ما يزيد عنها يكون من نصيب المزارع الفائز بالمزاد تقديراً لتعبه وجهده في جمع الضريبة من كافة مزارعي مدينة سلفيت، وفق الحمد.

 

"المعونة"

تتنوع أشكال الطقوس والتقاليد التي تختص بموسم الزيتون وترافقه، ولعل من أبرزها مصطلح "المعونة" التي بدأت تأخذ أشكالاً أكثر تطوراً وشموليةً بشكل تدريجي، يقول منسق حملة "إحنا معاكم" التطوعية خالد منصور إن "مصطلح "المعونة" كان يُطلق قديماً عندما يُنهي أفراد العائلة قطف الزيتون فتتوجه لمساعدة عائلة أخرى لقطف زيتونها في نفس البلدة، وقد تستمر المعونة ليومين أو ثلاثة وربما أكثر".

ويوضح منصور أن هذا الطقس بحد ذاته يُعطي أبعاداً عميقة للتكاتف والتكافل الاجتماعي، حتى إن العائلة التي تصلها المساعدة كانت في آخر النهار تُعطي كميةً من ثمار الزيتون للفتية الصغار يُطلق عليها "الشروة" أو "الجاروعة" تعبيراً عن العرفان والتقدير لعائلتهم التي جاءت للمساعدة دون دعوة.

اليوم أخذت "المعونة" نطاقاً أوسع، وحملة "إحنا معاكم" نموذجٌ بارزٌ، يقول منصور حول الحملة التطوعية: "تنطلق الحملة بتنظيمٍ من جمعية الاغاثة الزراعية وبالاشتراك مع عددٍ من المؤسسات المجتمعية، وتستهدف الحملة التطوعية قطف الزيتون مع العائلات التي تمتلك أراضي زراعية في المناطق المحاذية للمستوطنات الاسرائيلية إضافة للعائلات التي ليس لديها أفرادٌ لقطف الزيتون، وهي حملة سنوية تشمل أكثر من 30 موقعا وتجمعا سكانيا، ويشارك بها ما يزيد عن ألف متطوع فلسطيني ودولي"، ويستفيد من الحملة كل عام حوالي 150 مزارعا".

 

عصر الزيتون

يتذكر الخمسيني عقل عبد الله تفاصيل عصر الزيتون قديماً وفق ما رواها الأجداد، فيوضح أن المزارعين كانوا يعصرون الزيتون بطرقٍ تقليدية بدائية لعقودٍ طويلة قبل ظهور المعصرة الحديثة والأوتوماتيكية، أبرزها ما يُعرف فلسطينياً بـ"حجر البَد" القديم أو حجر الزيت. تتلخص آلية العصر في وجود حجرٍ كبيرٍ مدّور على شكل إطار يجرّه زوجٌ من الدواب كالأحصنة أو الأبقار، وتظل الدواب تُدير الحجر عبر ربطه بالحبال، بعد أن توضع ثمار الزيتون داخل الحجر، وفق عبد الله.

ويشير إلى أن الحجر كان يهرس ثمار الزيتون ويوضع الثمر المهروس في أوعية مستديرة مصنوعة من الكتان ، ثم يتم ضغط "المكبس" اليدوي بقوة الرجال البدنية بعد وضع أوعية الزيتون المهروس فيه "قفف بلاستيكية"، ويستمر الضغط حتى يسيل الزيت من المكبس.

كان الزيت ينساب من "المكبس" مع عكارته وليس صافياً كاليوم، نظراً لعدم وجود "الفرّازات" الحديثة في ذلك الوقت، التي تفصل الزيت عن كل ما يعكّر صفوه، وبعد نزول الزيت من المكبس يكون جاهزاً في أكياسٍ جلدية تسمى "سعون" تشبه "القربة" ويتسع الواحد منها من ثلاث إلى أربع جالونات بلاستيكية، ثم يُنقل الزيت للبيوت عبر الدواب في جالونات ليتم تخزينه داخل البراميل البلاستيكية، يقول عبد الله.

بينما يتحدث الشاب عبد الله أبو ناصر عن آلية عصر الزيتون في الحاضر: "تكاد كل قريةٍ فلسطينية لا تخلو من وجود معصرةٍ حديثة للزيتون، وخطوات العصر فيها تتم بسلاسةٍ وسرعة بدءا من تكفل صاحب المعصرة بنقل أكياس الزيتون مروراً بتفريغ العمّال للزيتون وهي الخطوة الأولى"، مشيراً إلى أن حب الزيتون يتم غسيلها ثم تبدأ مراحل الفرز والكبس وصولاً لنزول الزيت الصافي عبر "الفرّازة"، وفي النهاية تتكفل إدارة المعصرة أيضاً بنقل جالونات الزيت البلاستيكية إلى منزل المزارع.

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018