في أزقة بيت لحم.. بسطات صغيرة وأحلام كبيرة

 

في أزقة مدينة بيت لحم، تحديداً في منطقة السينما والمدبسة التي يُسميها البعض المنطقة الشعبية لأهل المدينة، تضع البائعات النساء البسطات الصغيرة؛ من المُنتجات الجبلية البسيطة، وأُخرى يُمكن زراعتها في حديقة المنزل؛ كالسبانخ، والخيار البلدي، والنعناع، والبقدونس، كذلك المريمية، والقُرنية التي يجلبها الرجال من الجبال المحيطة، إلى جانب صنع الزبيب، والرصيص البلدي منزلياً، وتجلس هؤلاء النسوة على امتداد الشارع الواصل، بين السينما والمدبسة حتى الوصول لمشارف السوق العتيقة في المدينة؛ حيث كن يبعن قبل البدء بإعمار السوق عام 2002م، ويبعن محاصيلهن للمارة، معولات على هذه البسطات لتكون مصدر رزق كريم، أو وسيلة لإثبات الذات. "الحال" حاورت نساء البسطات، وأعدت هذا التقرير.

 

خبرة طويلة

معظم النساء اللواتي يمتهنّ البيع أمام البسطة في سوق المدينة؛ تزيد أعمارهن عن الستين عاماً، وأغلبهن بدأن البيع في سِنٍّ مُبكرة، حيثُ تقول الحاجة صفية من قرية بتير غرب بيت لحم: إنها عملت أمام البسطة في مدينة القدس لعشرين عاماً؛ وحين تم فرض الإغلاق على المدينة، ومُنع الدخول إليها، عادت أدراجها إلى مدينة بيت لحم، وها هي تعمل فيها منذ عشر سنوات.

ولم يكن هذا الرقم من خبرة الحاجة صفية شيئاً يُذكر أمام السنين الطويلة التي عاشتها الحاجة فاطمة من قرية نحالين، في البيع أمام البسطة؛ حيثُ سارعت للاستنكار حين ساعدتُها في تخمين مدة عملها في البسطة بتقديرها بثلاثين عاماً أو حول ذلك قائلة: "لا أكثر.. بجيلي 60 سنة بشتغل قُدام البسطة.. عُمُر).

فيما تضيف حاجةٌ أُخرى، أنها عملت أمام البسطة في بيت لحم في أيام صباها؛ وفي المرة الأولى للبيع كانت تبيع ثمار الصبر، مُضيفةً بكثيرٍ من المرح والمُزاح: "قدرت أبيع كل البسطة؛ مش لإني كنت شاطرة أولها؛ بالعكس ارتبكت وخجلت وما عرفت أبيع؛ بس الكل اشترى مني لأني بقيت حلوة وعلي العين".

 

مصدر رزق

تستقطب البسطات المشترين من معظم المناطق، وتذكر العديد من النساء، بكثير من الحزن، أنهن ما زلن في رحلة الشقاء في البحث عن لقمة العيش، رغم تقدمهن في السِن، وسبب الاستمرار في العمل عليها، حسب إحدى البائعات التي تجاوز عمرها الخامسة والستين عاماً: "لا أستطيع التخلي عن البيع أمام البسطة؛ فهي مصدر رزقي، ولديَّ العديد من مصاريف الحياة ومتطلباتها. إنها مهنة بهدلة ورحلة شقاء، وبنفس الوقت هي وسيلة حياة".

فيما تقول الحاجة أم أنور، إنها تتنقل من مكانٍ إلى آخر في سوق بيت لحم؛ لتجد مكاناً تضع فيه البسطة، دون أن يلاحقها أحدٌ من موظفي البلدية: "البلدية تلاحقنا من مكان إلى آخر، وصباحاً ابتعدت عن مركبة البلدية؛ خشية التشاجر مع أحدهم؛ فهم يمنعوننا من الجلوس أمام البسطة، والبيع في شوارع السوق؛ بحجة تنظيم المدينة وسوقها؛ والبسطة بالنسبة لي (أحسن رزقة) فزوجي مريض، وأنا أتحمل مصاريف المنزل، وقد استطعت تعليم أولادي من خلالها".

 

تحقيق الذات

ولم تعد البسطة مصدر رزقٍ وحسب؛ بل درب وجدت فيه النساء اللواتي حُرمن الإحساس بذواتهن في الحياة، مجالاً جديداً للإحساس بالذات وتحقيقها؛ فرغم تقدم بعضهن في السن، والظروف الصعبة للجلوس الطويل في السوق، والتعرض لحرارة الشمس صيفاً، وبرودة الطقس في الشتاء، إلى جانب تخفيف أبنائهن العبء المُلقى عليهن، بعد التخرج من الجامعات والالتحاق بوظيفة؛ فإنهن يرفضن الامتناع عن دخول السوق، وخوض غمار الحياة وتجاربها اليومية؛ تقول الحاجة صفية: "عندما أضع مُنتجات البسطة، وأجلس استعداداً للبيع؛ أشعر بأنني امتلكت الدنيا وما فيها؛ فأنا مُتكفلة بنفسي، ولا أحتاج لأي أحد، وعندما احرص على البسطة يبقى (رزقي عامر)"، مُضيفةً أنها عندما تجلس في المنزل تفقد إحساسها بالحياة: "لما بيجي عالبسطة بحس حالي إني بسوي إشي في الحياة، أما لما بظل في الدار بحس حالي مش عايشة!".

فيما تقول الحاجة فاطمة التي يعلو ملامحها الانبساط أثناء البيع، إنها تُصاب بالخمول والمرض؛ إذا تركت العمل في البسطة، حيث تقول: "إذا قعدت بالدار رح أزهق من كثرة النوم وبمرض، أما لما بيجي ع بيت لحم وببيع عالبسطة، ما بشعر كيف بِمظي النهار، والواحد صارت الشغلة بدمه زي الوراثة بقدرش يستغني عنها".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018