"البوسطة".. كلمة تؤرق الأسرى الفلسطينيين وتتصدر قاموس معاناتهم

 

في ساعات الفجر الأولى، يستيقظ الأسرى على صوت طرق أبواب غرفهم وصوت السلاسل والقيود وصراخ جنود وحدة النحشون (وهي وحدة عسكرية إسرائيلية مهمتها التعامل مع السجون والمعتقلين): "بوسطة.. بوسطة". وهي كلمة واحدة، ولكنها تختزل أوجه معاناة متعددة يعيشها الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال.

و"البوسطة" هو المصطلح الذي يطلقه الأسرى على عملية نقلهم من سجن لآخر أو إلى المحكمة، وتكون عادة في حافلات خاصة يتخللها مبيت الأسير في المعابر واحتجازه لساعات في أقفاص حديدية في ظروف صعبة، وقد تمتد هذه "الرحلة" لأكثر من ثمانية أيام متواصلة.

ومن الجدير بالذكر أن إدارة سجون الاحتلال لجأت منذ 2006 للبوسطة المطولة كوسيلة لنقل الأسرى، بهدف تقليل النفقات واختصار عدد النقليات، غير أن هذا الترشيد كان ولا يزال على حساب الأسرى وصحتهم، فالمشوار الذي لا يزيد عن 40 كم يصبح أكثر من 400 كم بسبب البوسطة وتعقيداتها. فعلى سبيل المثال، إذا أراد الاحتلال نقل أحد الأسرى من سجن "عوفر" إلى محكمة "سالم" قرب سجن "مجدو"، فهي لا تقوم بذلك مباشرة، بل تنقله أولاً إلى معبار "الرملة"، ثم إلى سجن "الجلمة"، وهناك يتوقف عدة ساعات، وبعدها إلى سجن "سيلمون"، وهناك يتوقف مدة مشابهة، ثم إلى سجن "شطة" و"جلبوع"، ومنه إلى معبار "مجدو"، وهناك يمكث يومًا أو يومين، وفي اليوم التالي، ينقل إلى محكمة "سالم"، وبعد ذلك، يعود بنفس الطريقة إلى وجهته الأولى. 

 

حالة اكتئاب

الأسير المحرر يوسف زهير (35 عاماً) من رام الله تحدث لصحيفة "الحال"، فقال: "تشكل البوسطة للأسير مصدر قلق وتوتر، فالكلمة أصبحت مقترنة بالتعب والانتظار وقلة النوم، حتى أن الكثير من الأسرى يفضلون عدم حضور جلسات محاكمهم وجعلها غيابية، كما أن بعض المرضى يتحملون أوجاعهم على نقلهم إلى المشافي هروباً من جحيم البوسطة". ويضيف: "إذا جاء اسم الأسير على نقليات البوسطة يتغير وجهه ويدخل في حالة اكتئاب، ويتجمع الأسرى حوله لمواساته"، ويكمل: "إذا ما حاولنا تجزئة البوسطة إلى أقسام، فهي تشمل: الحافلة، والمعابر، والأقفاص، وعملية النقل نفسها، ولكل جزء من هذه الأقسام قصة وحكاية".

وتبدأ البوسطة عادة في ساعة مبكرة من الفجر، حيث يتم إخراج الأسرى وتكبيل أيديهم وأرجلهم ويجبرون على ارتداء ملابس السجن البنية "الشاباط"، ثم يتم تجميع وفرز المنوي نقلهم إلى السجون أو المحاكم في أقفاص حديدية مهينة.

ويصف الأسير المحرر عمار أسعد (30 عاماً) من مدينة نابلس لـ"الحال" هذه الأقفاص، فيقول: "لا تصلح للاستخدام الآدمي، وهي تشبه تلك التي يتم تجميع الحيوانات فيها". ويشير إلى أن إدارة سجون الاحتلال سبق أن أغلقت هذه الأقفاص بعد زيارة قامت بها وزيرة القضاء الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني"، غير أن الاحتلال ما لبثت أن أعاد افتتاحها بعد تنحيها عن منصبها.

"وقد يمكث الأسرى في الأقفاص ثلاث ساعات أو يزيد، يتم خلالها تشخيص بطاقاتهم الاعتقالية والتأكد من وجهتهم في إجراءات طويلة، ويتخللها أيضاً توقف جنود "النحشون" الإسرائيليين عن العمل لتناول الطعام، إضافة للتفتيش اليدوي والآلي الذي يستمر أكثر من نصف ساعة"، حسب أسعد.

ويضيف: "الأقفاص تفتقر للتهوية في الصيف وتتسم بالبرودة الشديدة في الشتاء، حيث لا يقوى الأسير على الجلوس على مقاعدها الحديدية، إضافة إلى أن حماماتها قذرة ومكشوفة أو مستورة بباب نصفي".

 

الحافلة المجنونة

من ناحيته، قال الأسير المحرر عبد الرحمن حماد (45 عاماً) من الخليل، عن حافلة البوسطة: "هذه الباصات حديدية المقاعد والجوانب والظهر، ولا يمكن الرؤية من خلال نوافذها المغطاة بالحديد والثقوب الصغيرة، وفي حالات عديدة لا يتم الفصل بين الأسرى الأمنيين والسجناء الجنائيين، فقد يتصادف وجود أسير واحد برفقة أكثر من 30 سجينًا إسرائيليًّا، وغالباً ما يتعرض الأسرى لمضايقات يتخللها الشتم بألفاظ نابية".

وذكر حماد لـ"الحال" أن الطريق تستغرق أحياناً أكثر من ثماني ساعات متواصلة يمنع الأسير خلالها من قضاء الحاجة أو الأكل والشرب، لافتاً إلى "انه في بعض الحالات الخاصة يوضع الأسير في الحافلة داخل قفص ضيق ولا يقدر على الوقوف أو مد قدميه".

وأضاف: "تبدأ العظام بالتيبس والأيدي بالتورم والأرجل بالانتفاخ بسبب القيود الحديدية، عدا عن الدوار و(زوفان) المعدة، وعبثاً يحاول الأسير النوم وأخذ قسط من الراحة".

وأوضح: "الجلوس بحد ذاته معاناة، فالكرسي بلا أيد على جانبيه وهو ما يعني ارتطام الأسير بالمقعد الأمامي وسقوطه على الأرض عند كل منعطف، هذا عدا عن المضايقات التي يتعرض لها الأسير على يد جنود النحشون، الذين لا يستمعون لأية شكوى". 

ويكمل: "مع مرور الوقت والتعب الشديد، يشعر الأسرى بالجوع وبحاجة ملحة لقضاء الحاجة، فيبدأون بالصراخ والطرق على أبواب الحافلة، الأمر الذي غالباً ما يقابل بالتجاهل من الجنود، وبعد طول انتظار، كان يسمح لنا بقضاء الحاجة لمدة ثلاث دقائق فقط ودون فك الكلبشات".

ومن المفارقات "الإيجابية" التي تحدث في البوسطة حسب حماد "أن الأسرى يجبرون على الاستعانة ببعضهم والتعاون فيما بينهم بغض النظر عن أعمارهم أو انتمائهم السياسي، ففتح سحاب الجاكيت أو إخراج محرمة من الجيب أو رفع البنطال بحاجة لمساعدة، وكذا محاولة النوم التي لا تتم إلا بعد أن يضع الأسير رأسه على كتف زميله، كما يجبرون على السير معاً وتنسيق خطواتهم عندما يقيدون بنفس القيود، لأن تأخر أو استعجال احدهم يعني وقوع الآخر".

 

تحركات قانونية

من جانبه، أكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس، أن محامي النادي قدموا عدة اعتراضات للمحاكم الإسرائيلية من أجل إلغاء البوسطة أو تحسين ظروفها على أقل تقدير، غير أن إدارة السجون ما زالت تماطل وترفض الاستجابة لهذه الطلبات المتكررة، لافتا إلى أنهم بصدد التوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف: "طالبنا مراراً بإعادة تصميم شكل البوسطة وتقليص الأسباب التي تستدعي نقل الأسرى، خاصة المرضى من خلال إقامة عيادات متخصصة في كل سجن وغيرها من المطالب التي ما زالت تقابل من قبل إدارة السجون بالرفض".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018