هل الزوجة في فلسطين "مظلومة" وبسند قانوني؟


 

حنان زوجة في العشرينيات، ولكنها قبل أن تنال لقب "زوجة" لم تكن تعلم شيئاً عن ماهية الزواج، عدا الذي أخبرتها والدتها به عندما تزوجت. 

تزوجت حنان وهي تجهل تماماً أن اللقب الذي نالته لم تجن من ورائه سوى الواجبات، دون أن تحظى بحقوق الزوجة التي نص عليها القانون وشملها المفهوم الديني في تعريفه للزواج. 

وحنان كغيرها من النساء اللواتي أردن أن يصبحن زوجات مطيعات يرضى عنهن الزوج والمجتمع، "عاقلات" بالتعبير المجتمعي، تقتصر وظيفتهن على إنجاب الأطفال وخدمة الزوج وإرضاء رغباته وتنفيذ طلباته، فتختفي هي في مشاغلهم وتصبح بعيدة كل البعد عن احتياجاتها الشخصية التي ترتبط بالبعد الإنساني.

 

من الملوم؟

تعاني كثير من النساء قيوداً مجتمعية مدعومة بالثقافة التقليدية، التي تهدف إلى تهميش المرأة في محاولة تقزيم دورها كعضو فاعل في المجتمع، قادر على العطاء والبناء في الحيز العام كما هي في الحيز الخاص.

لكن اللوم لا يقع على عاتق المجتمع بصفته "ذكورياً" فقط، وفق ما اطلعت "الحال" على قانون يسند هذه الثقافة بدلاً من تقييدها أو وضع حد لانتهاكها حقوق المرأة، فيرى ناشطون أن القوانين المعمول بها في فلسطين تتعامل مع المرأة في السياق القانوني وكأنها "مُلكية". فتنص المادة رقم 2 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1976 من الفصل الأول للزواج والخطبة على أن الزواج هو: عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً لتكوين أسرة وإيجاد نسل بينهما.

تعقيباً على تعريف الزواج في الإطار القانوني، اعتبر قانونيون هذا التعريف إهانة بحق المرأة، خاصة أنه يتعامل معها كملكية خاصة للرجل، وكأن الغاية الأساسية للزواج هي "المتعة" لا أكثر.

40 عاماً ولا يزال قانون الأحوال الشخصية أردنياً، ومعتمداً لدى الدستور الفلسطيني، دون أدنى تغيير يذكر على بنوده التي اعتبرت "مناهضة للمرأة"، الامر الذي يثير تساؤلاً: لماذا يبقى القانون الأردني القديم الذي غيرته الأردن في بلادها معمولاً به في فلسطين دون أدنى تغيير يذكر؟ 

 

قانون أحوال شخصية فلسطيني

تقول آمال خريشة الناشطة النسوية والسياسية إن "المشكلة الأساسية في هذا الموضوع تتعلق في افتقارنا لقانون أحوال شخصية فلسطيني خاص بنا، واتباعنا القانون الأردني منذ عام 1976 الذي ينظم العلاقات الخاصة في الحيز الخاص بين الأفراد على أساس التفسيرات المغلوطة للشريعة الإسلامية".

وتتساءل الناشطة النسوية: "لماذا يجب أن تكون القوانين مرجعيتها الشرائع الدينية؟ المرجعية الدينية خيار شخصي للفرد، ويجب ألا تنعكس على القوانين".

وتضيف أن تعريف الزواج، حسب قانون الأحوال الشخصية الحالي المطبق منذ حوالي نصف قرن، "يتعامل مع المرأة وكأنها ملكية خاصة للرجل، كما أنه يحمل في طياته عدداً من المضامين المهينة لها بأكثر من صورة، وهو يعكس أيضاً تخلفاً في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمنظومة الثقافية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وهو ما لا يتلاءم مع الواقع الحالي".

وتعتبر الناشطة النسوية نص القانون "شرعا تحل له" مرفوضاً، "وكأن الرجل يشتري المرأة عند الزواج، وهو بذلك يقضي على المفهوم الأساسي للزواج بتكوين أسرة على أساس المساواة".

وتدعو خريشة إلى "تغيير عدد من القوانين التي تعادي المرأة، وتهينها، من ضمنها هذا التعريف الذي يناقض جميع الاتفاقيات الدولية التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية، أهمها (اتفاقية سيداو) التي تنص على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة".

 

حراكات متواصلة لتغيير القانون

توضح خريشة أن هناك حراكات متواصلة تقوم بها المؤسسات النسوية والحقوقية بهدف تغيير القانون، وسن قانون فلسطيني جديد يعتمد المساواة بين الرجل والمرأة.

لكنها تقول إن بعض الحراكات استطاعت "ترقيع" الواقع، لحين تغييره، وتمكنت من تعديل بعض القوانين مثل رفع سن الزواج للمرأة، وحقها في الخلع من زوجها.

ويبقى السبب الرئيسي في غياب أي تحرك جدي لتعديل هذه القوانين هو غياب المجلس التشريعي، والخطابات الثقافية التي تنمط دور النساء وتعيق بالفعل أي تغيير جذري في هذا القانون، حسب ما تؤكد خريشة.

وتشير خريشة إلى أن هناك دولاً عربية قامت بإجراء "تعديلات جوهرية في القوانين التي تعادي المرأة، تناغما مع اتفاقية سيداو".

 

عقد لممارسة الجنس

ويشاركها الرأي الناشط الشبابي محمد عبده قائلاً إن "مفهوم الزاوج الحالي كأنه عقد لممارسة الجنس وتكوين أسرة فقط، وهذا خطأ كبير، ولو كان هذا هو الهدف من الزواج فعلاً لوجدنا عشرات الشبان يقومون بفسخ العقود مع زوجاتهم وتزوجوا أخريات".

ويضيف أن "القران الكريم والسنة النبوية التي يحاول الكثير أن يلصق هذا التعريف بهما يعتبران الزواج ليست فقط علاقة لإشباع الغريزة الجنسية، وإنما علاقة تشاركية في كل مناحي الحياة قائمة على التفاهم والمحبة وليس تسليم المرأة نفسها لزوجها لغايات جنسية، ولو كان ذلك لما كان هناك استقرار وانسجام بين الزوجين".

 

الاتجاه المقابل

لكن المحامي الشرعي نعيم الشريف يقول إن القانون يشترط عدة أمور لإنصاف المرأة  قبل عقد الزواج، أهمها أن يكون الزوجان بالغين عاقلين، وشاهدين (مؤهلين قانونياً) على عقد الزواج، وأن يتم تسجيل الزواج في المحكمة الشرعية.

ويعتبر أن القانون "يركز على ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة وخاصة عند الزواج، حيث إنه يشترط موافقة المرأة، ويعطيها الحق في وضع أية شروط خاصة في عقد الزواج"، مشيراً إلى أن "هناك عدداً من الأمور التي قد تفسخ عقد الزواج، أهمها ألا يتمتع الزوجان بالأهلية القانونية أي أن يقل عمر الزوجة عن 15 عاماً، والزوج 16 عاماً، أو أن يتبين لاحقاً أن الزوج غير سليم عقلياً، أو أن يكون الزواج قد تم بالإكراه، وعندها يعد الزواج باطلاً، وتتدخل النيابة الشرعية في الموضوع".

 

رأي الشريعة الإسلامية

يقول مفتي فلسطين السابق عكرمة صبري إن "مفهوم الزواج في الشريعة الاسلامية أوسع وأشمل من القانون، وهو يضمن حقوق الطرفين الزوج والزوجة".

ويضيف أن الشريعة الإسلامية "تعتبر الزواج رباطاً مقدساً يجمع بين الزوجين، وتركز الأحاديث النبوية على ضرورة انسجام الزوجين في الحياة الزوجية، لأهمية دورهما في تنظيم الأسرة على أسس قوية، وما له من ثواب كبير".

كما تركز الشريعة الاسلامية على الأم ودورها الكبيرفي تنظيم الأسرة، حيث إن الإسلام أعفاها من دورها في الجهاد، لأنها تقوم بما يوازيه من خلال جهادها في تربية أطفالها وبناء الأسرة السليمة التي تمثل أساس المجتمع السليم، حسب ما يؤكد مفتي فلسطين السابق.

ويستشهد المفتي السابق بعدد من الأحاديث الشريفة عن أهمية حسن عشرة الزوج لزوجته، مثل "ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم"، الذي يؤكد ضرورة إكرام المرأة وإنصافها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018