هكذا كان الحج على الطريقة النابلسية القديمة

 

 

لنابلس أيام الدولة العثمانية أهمية خاصة في مسيرة الحج التي كانت توليها معاملة خاصة، فقد كانت مركزاً للركب الشامي، وهو الموكب الرسمي للحج الذي كان محملاً بكسوة الكعبة والصدقات لفقراء مكة والمدينة، ويُحرس بالجنود وكان الحجاج ينتظرونه ليرافقوه، وقد أنشأه السلطان سليم، أحد سلاطين الدولة العثمانية.

هذا الركب "الشامي" كان مقره الرئيسي في الوكالة الفروخية، أو ما يسمى حالياً "خان الوكالة" في المنطقة الغربية من البلدة القديمة في نابلس. وتتابع على إمارة هذا الركب العديد من الأمراء، من أشهرهم مصطفى بك الفقاري الذي بقي أميراً له إلى أن توفي سنة 1051 هجرية، ودفن خارج المسجد الصلاحي الكبير، الذي بنى مئذنته الحالية.

كما أن لنابلس طرقها الخاصة في احتمال صعوبات الطريق للحج قديماً، فقد كانت النساء في هذه المدينة الأكثر قدرة على اختراع ما يهوّن على القلب ويعين على الفراق. النساء النابلسيات واجهن كل هذه الصعاب بالغناء والنشيد الذي كان يحمل في كلماته الشوق والحنين، إضافة إلى المعاني الدينية والروحية.

الحاجة نوال سقف الحيط، أم غازي (84 عاماً)، عاصرت مواسم حج كثيرة من الخمسينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي، حيث حفظت الأناشيد الشعبية عن ظهر قلب. هذه الأغاريد التي وثقتها في مفكرة تحتفظ بها وتضيف عليها ما يستجد على الذاكرة.

استهلت الحاجة أم غازي حديثها لـ"الحال" وكأنها تستعيد مشهداً ما زال راسخاً في ذاكرتها بأهازيج صبية عشرينية تودًّع حاجاً، وتستقبل مهنئيه:

إييها وافتحوا باب الدار.. إييها وخلي المهني يهني

إييها وطلبت من رب السما.. إييها وما خيب الله ظني

إييها ميل يا جمل ميل.. إييها وتحت فيّْ الياسمين

إييها وكل خطوة لنبينا محمد..  إييها بتسوى خطوة بميت ميل

 

ومضت أم غازي تسرد تفاصيل وداع الحجاج؛ من تحديد أسماء الأشخاص الذين ينوون أداء الحج الى مكة، ومجيء المدعوين إلى بيوتهم لتهنئتهم والاحتفاء بهم، ومشاركتهم أفراحهم بداية، وصولاً لوداعهم وإنشاد الأناشيد الدينية وإلقاء الأهازيج الخاصة بهذه المناسبة، فيتجمع الرجال في مكان والنساء في مكان آخر، وكانت العبارة الأكثر ترديداً من قبل الوافدين لوداع الحجاج هي "همة مباركة أو مبروكة الهمة"، فيما كان الحجاج يوزعون القهوة المرَّة "السادة" عليهم، في احتفاء، وابتهاج بهم لوقت قد يمتد حتى السحور، وكانت النساء الأكثر تفاعلاً في هذه المناسبات خاصة فيما يتعلق بالإنشاد، فكانت الأغاني تنطلق من حناجرهن:

حننوا حننوا زيدوا الحنيني.. يا إله السما يجوا سالميني

سالمين سالمين على الله السلامة.. حجتكم مقبولة ورجعة بسلامة

حننوا لأبو محمد ليهدا باله.. وادعوله بالسلامة ليرجع لعياله

حننوا لأم محمد لتنزل دموعها.. وادعولها بالسلامة عقبال رجوعها

حننوا لأبو محمد ليصفى قلبه.. وادعوله بالسلامة ليرجع هو وربعه

وأيضاً:

يا حنيني عليك يا فلان يا غالي.. علموك السفر والبعد ليالي

يا حنيني عليك يا ابن عمي.. علموك السفر والبعد عني

ودعتها أختها بتوب الحريري.. قالتلها عاودي صلي وادعيلي

ودعتها بنتها من برا لبرا.. قالتلها عاودي جبرك على الله

وان نويتوا على السفر خدوني معاكم.. ما بطيق الفراق وما بقعد بلاكم

وان نويتوا على السفر خدوني معاكم.. يا ليالي الوداع بكيت عيوني

 

فيما الزغاريد تصدح في جنبات البيت:

إييها يا طريق النبي بعود الند نديتي.. إييها ريتك سعيدة على ما أخذتي ووديتي

إييها ندرٍ علي ان وصلوا الحجاج سالمين على بيتي.. إييها لأضويلهم شحم قلبي ولو خلص زيتي 

إييها حجاجنا هللت وبناتنا تحنت.. إييها والرايات الخضر من عند النبي طلت

إييها واللي شافت الحجاج عالنبي صلت.. إييها تزور نبينا محمد وتنال كل ما تمنت

 

وتضيف الحاجة باسمة البغدادي بأن "الحجاج وبعد مغادرتهم نابلس والسير باتجاه مكة المكرمة، ينقطع الاتصال بهم ولا نعلم عنهم إلا من خلال ما يصلنا من أخبار متفرقة يتم تناقلها بين سائقي الحافلات المتواجدة في المحطات المختلفة على الطريق".

ونتيجة لصعوبة المواصلات وبساطة وسائل النقل والحافلات التي تنقل الحجاج كانت المسافة تطول، هذا بالإضافة إلى ما يواجهونه من صعوبة الطريق التي لم تكن معبدة بالشكل الملائم.

وكانت النساء في طريق الذهاب إلى الحج والمتواجدات في الحافلة ينشدن، حين تصل الحافلات إلى مكان محدد، عمان مثلاً:

خزيمه خزيمه شدي واركبي.. حاملة حمالك محبة للنبي

وصلنا عمان ونصبنا الخيام.. ولقينا العريبي موشح باللثام

اتريته محمد عليه السلام

يا طريق النبي قد ما طولتي.. يا هناك يا حجة صبرتي ونلتي

وكان أهالي الحجاج الذين ينتظرون الأخبار فقط من سائقي الحافلات شفاهة يسرون كثيراً لسماعها فيتناقلونها للاطمئنان.

كذلك، كان الحجاج يتزودون بطعام يكفيهم طيلة سفرهم، وهذا لكون الطريق في ذلك الوقت تفرغ من أماكن بيع الطعام والاستراحات المتواجدة هذه الأيام، وكانوا يتشاركون طعامهم وشرابهم كعائلة واحدة.

وتضيف الحاجة البغدادي بأن الحجاج وعند عودتهم واستقبالهم في مداخل المدينة كانوا يعودون بهم إلى بيوتهم لتذبح الخراف وتطهى وليمة للمهنئين فرحاً بعودتهم سالمين، وكان الحجاج يجلبون معهم الهدايا والتمور بكميات كبيرة وهذا لسهولة إحضارها في ذلك الوقت لعدم وجود حواجز وقوانين تمنع، إلا أن الحجاج كانوا يؤخرون توزيع الهدايا على أصحابها من الأهالي والأقارب حتى مرور سبعة أيام وذلك بعد راحتهم، الأمر الذي كان يتم التعامل معه كـ"قانون عرفي اجتماعي".

وحينها، كانت النساء تعقد حفلات المولد النبوي الشريف وتلقي السيرة النبوية إنشاداً:

ما تصلوا على النبي يا سامعينو.. (فيردد البقية) وصار يناغي القمر وهو بسريرو

ما تصلوا عالنبي وبني عمو.. صار يناغي القمر وهو بحضن أمه

ما تصلوا عالنبي وبني خالو.. صار يناغي القمر منو لحاله

وأمينة وضعته وحليمة تلفوا.. يا ملوك السما عالباب تزفو

أمينة وضعته حليمة تأمط.. يا ملوك السما عالباب تزغلط

أمينة وضعته على خرزة البير.. وضعت المصطفى موشح بمنديل

أمينة وضعتو على بلاط الرخام.. وضعت المصطفى موشح بالأنوار

 

الحاجة أم غازي سقف الحيط وبعد إنشادها وتردادها للأغاريد تشكو بأسى أن "عادات أهل نابلس بالحج زمان كانت أحلى"، فالأغاني مميزة وهي "جزء من تراثنا القديم الذي تجهله صبايا هذه الأيام، فنحن فقط كبار السن من يمارس هذه العادات وينشد الأناشيد، فيما الصبايا الصغار يلجأن إلى استخدام آلات التسجيل لسماع هذه الأغاني، أو قد يكتفي بعض الأهالي بعقد الموالد فقط دون الانشاد الجماعي الأكثر جمالاً".

تقول الحاجة إن هذه العادات المتعلقة بالحج وهي الأغاني والأغاريد بالتحنين والوداع والاستقبال انتهت كعادات عامة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بانتشار أدوات التسجيل التي أصبحت تزاحم النشيد الجماعي المباشر حتى تفوقت عليها وألزمتها زاوية صغيرة في ذاكرة عدد من الحاجات كبار السن مثلها وبعض أفراد عائلتها اللواتي يحافظن على هذه العادات حتى الآن رغم كل شيء.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018