جرافيتي على الجدران.. أكبر معرض فني دائم في غزة مفتوح مجاناً

1/5

 

في قطاع غزة، الكل مدعو للسير في أكبر معرض غرافيتي مفتوح للجماهير بشكل دائم ومجاني، هذا المعرض الذي فتح أبوابه من بيت حانون شمال القطاع وحتى جنوبه في رفح، تمتد معروضاته الضخمة والملونة لتغطّي كامل هذه المناطق.

وتتركزالجداريات عند مرافق ومنشآت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين صاحبة المشروع، آخذة على عاتقها مهمة التذكير بالتراث والقيم والأخلاق والسلوك؛ بنكهة جمالية، صممها 140 فناناً وفنانة تشكيليين، عملوا خلال الخمسة شهور الماضية بشكل يومي.

تحت وطأة شمس الظهيرة، كانت تسير رائدة بكرون على عجلة، وحين سألناها عن الجدارية التي تمشي بمحاذاتها، تنبّهت لها وكأنما تراها للمرة الأولى، قالت مبررةً: "نسير وبالنا مشغول بأمورنا اليومية، أعتقد أن الكثيرين لم ينتبهوا للرسومات رغم جمالها، فالهموم الداخلية غطّت على كل شيء".

ولم تخف بكرون إعجابها بالجداريات، معتبرةً أنها مصدر إلهام وتذكير بحق العودة والقيم والعادات الفلسطينية التي يجدر بها أن تبقى راسخة في الذاكرة، مشيرة إلى ضرورة احترام هذه الرسومات ومنع أي محاولة لتشويهها وطمس تعبيراتها.

كنعان حماد، صاحب مركز بصريات وسط المدينة، ومقابل مركزه جدارية يبلغ طولها 250 متراً، يرى اللوحات كل يوم وربما حفظها عن ظهر قلب، يرى أيضاً أن الفن يعبّر عن حالة، وأن ظهوره شيء جميل بالفعل، لكنّه لا يهم الجميع ويركز على مجال معين.

قال حماد موضحاً وجهة نظرة "هذه الجداريات طاقة مبذولة لتفريغ إبداعات فئة معينة، بينما الفئات الأخرى من الشباب تحتاج أيضاً لمن يحتويها"، وأضاف أن "الكثير من المارة لن يروا هذه الجداريات رغم كبر حجمها وبروز ألوانها، لأنهم يسيرون في الشارع يحدثون أنفسهم، فالناس لا ترى سوى الهموم".

نائل صلاح، سائق تاكسي يتقن الإنجليزية وكان يعمل في الترجمة، يحب الفنون ويقدر الجمال. وبحسبه، فإن هذه الجداريات هي الجمال الذي نفتقده، ولا يتّفق في الرأي مع من سبقه، فالرسم هو أحد إبداعات الشباب أيضاً، وإعطاؤهم الفرصة لن يكون بأي حال سبباً في تعطيل مواهب الآخرين وإبداعاتهم.

وقال صلاح إن الكثير من المؤسسات تستعين بفن الجرافيتي لإنجاز بعض اللوحات الخاصة، أيضاً في المنازل اختلفت الأذواق، فحلّت الرسوم التشكيلية محلَّ الدهان، وهو لا يعتبر ذلك ترفاً، معتبراً "الخبز ليس أكثر أهمية من الفن كما يدعي البعض، فالأول يجيء ويذهب والفن باق".

 

الأطول في العالم

عصام حلس خبير التربية الفنية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، بيّن أن مرافق الوكالة تتعرض لملوثات بصرية من خلال الإعلام المضاد وإعلام الأحزاب وغيرها، فكانت الرؤيا إلغاء هذه الشعارات وتوظيف الفن لنشر قيم جمالية وتوعوية وتربوية أيضاً، مشيرًا إلى أنهم استثمروا في عملهم هذا الطاقات الشابة التي لم تحظ بفرصة عمل.

الوجوه والمقدسات والتراث والطبيعة وغيرها من المشاهد التي رسمت على 32 ألف متر طولية، والتي يُنوى استكمالها داخل وخارج المزيد من المدارس في غزة، أوضح حلس أنها الأطول من بين جداريات العالم، وقال "خلال بحثنا عبر الإنترنت فلم نجد جدارية بهذا الطول، نتابع الموضوع ونسعى للدخول من خلالها إلى موسوعة غينيس".

وانتهى رسم الجداريات خلال العطلة الصيفية لطلبة المدارس، ورغبت الوكالة في مفاجأة الطلبة بهذه الرسومات الفنية حين عودتهم لمقاعد الدراسة مجدداً.

 

فن التعبير الحر

الجرافيتي فن حديث ظهر في الولايات المتحدة ثم انتقل إلى آسيا وأفريقيا، وبالنسبة لفلسطين بدأ بالكتابة والخطوط العربية، ثم لوحظ ظهوره أكثر بعد الانقسام والأحداث السياسية الساخنة، حيث يعبر من خلاله الشباب عن سخطهم وغضبهم لما يدور في الساحة، وقد تتناول رسوماتهم تعبيرات اجتماعية وجمالية أيضاً، لذا يُعامل على أنه تعبير حر يسعى كسعي الإعلان، ويتخير مكانه في المناطق العامة ليحقق الانتشار.

يُرسم الجرافيتي بمسّاحة الرش والبخاخ وأقلام بوية خاصة، ويتخذ من السطوح الخاصة والعامة مكاناً له، بإذن من صاحبها أو بدون، واتسعت رقعته لتحتل مكانها ليس على جدران الشوارع فحسب، بل أبواب القطارات، والأسفلت، والسيارات، والأجسام، والملابس أيضاً.

بلال خالد فنان جرافيتي شاب، أول من رسم في غزة على الأسفلت والأجسام والسيارات، ومراده ترك بصمته في كل مكان، فهذا الفن ليس له حدود وبإمكانه تسخير أي سطح لخدمته، ويعتبر أن ما يميزه كونه أقرب أنواع الفن إلى عامة المجتمع، فهو معرض مجاني بلا تذاكر.

وعن عدم تنبه المارة للجداريات واعتبار البعض وجودها ترفاً، قال خالد "فن الجرافيتي لم ينضج بعد في مجتمعنا، ولن أفاجأ حين أرى أحدهم وقد أفسد لوحة رسمها فنان بعرقه، كي يكتب بدلاً منها شعارات حزبية أو مناسبات اجتماعية"، وهو كفنان لا يعتبر هذه التصرفات مصدر إحباط له، فبحسبه يوجد اهتمام واضح من قبل الشباب بهذه الجداريات، أهمها الاحتفاء بالجدارية التي رسمها بمساعدة أربعة فنانين، على أكبر ارتفاع في فلسطين، والتي أُطلق عليها "طفولة محاصرة".

ويرفض خالد أن يتم اعتبار فن الجرافيتي رمزاً لـ "النضال الناعم" كما يطلق عليه البعض، مبرراً رفضه بأنه "فن قوي، والكثير من الفنانين مطلوبون لدى مؤسسة الإنتربول والحكومات، لما تحمله رسوماتهم من تعابير وطنية غاضبة"، كما يترتب عليه درجة من الخطورة، فهناك عدد كبير من الفنانين يعملون بشكل متخفٍّ وبأسماء وهمية، أمثال الفنان المشهور بانكسي الذي جابت رسوماته الإنسانية العالم، إلا أنه بقي مجهولاً لا تُعرف له هوية.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018