تعرف على تفاصيل "زفة العريس" التقليدية

 

 

إليك مشهداً من عرس فلسطيني: عريس يلبس نظارة شمسية، ويمتطي صهوة حصان، بعد أن أنهى حمّامه، ثم يتحلق من حوله مئات الأصدقاء وأهالي القرية، ونساء يلحقن بركب هذه الزفّة من الخلف ويُطلقن زغاريدهن، أما على شرفات المنازل المحاذية لطريق الزفّة فيقف بعض الأهالي يمطرون الموكب بالحلويات والسكاكر.

هذه اللوحة العفوية الرائعة ظلت منقوشة في ذاكرة الأجيال وقتاً طويلاً، لكن اليوم هل اختلفت تفاصيل هذه اللوحة؟ ومن أين جاءت تلك الأهازيج التي تُرافق "حمام العريس"؟ وماذا حل بها؟

يؤكد الزجال الشعبي نظام سلمان أن تعريف الزفّة يختلف من منطقة فلسطينية لأخرى: "عندنا مثلاً في بلدة دير استيا قضاء سلفيت تطلق الزفة على المراسم الاحتفالية النهارية منذ بدء التعليلة الصباحية التي يُغني فيها زجالان الألوان الشعبية الهادئة، ثم تشمل خروج موكب المشاركين بالعرس من وسط البلدة أو منزل العريس إلى مكان حمام العريس، الذي يكون عادة عند أحد أصدقاء العريس أو أقاربه، ويتبع ذلك الانطلاق بعد الحمام إلى مكان صمدة العريس، وهو المكان الذي يتم فيه النقوط ويكون مكان وليمة الغداء على مقربة منه، كل هذه المراسم نسمّيها الزفة بمفهوم عام".

ويشير سلمان إلى أن مناطق أخرى تُعرّف الزفّة بأنها فقط الأهازيج الشعبية التي يُطلقها الزجالون عند حمام العريس.

تحدثت "الحال" مع زجالين ومهتمين في شؤون التراث. يوضح الستيني أبو يوسف الخطيب أن أهازيج الحمام تُسمّى "الجوفية" وقد يُجيدها الزجالون وكذلك أشخاص من نفس البلدة لكن سبق لهم أن توارثوها عن الأجداد، مضيفاً: "الجوفية تمتاز بأوزانها القصيرة، وسرعة إيقاعها، إضافة لقوة التصفيق المتزامن معها".

الخطيب الذي يُجيد برفقة بضعة أشخاصٍ فقط أداء "الجُوفية" ببلدته يوضح أن لهذا اللون عدة أسماء أخرى، ففي بعض المناطق يسمون الجُوفية "المْحوربة"، واللفظ قد يكون مأخوذاً من الحرب حيث إن معاني كثيرة في "الجُوفية" تشير للقتال والقوة، وفي مناطق أخرى "المْرودحة"، وهذا المسمى قد يكون مقتبسا من لفظ "ردح".

وحول سبب تسميتها "الجُوفية" يعتقد الخطيب أن مصدر الصوت عند أدائها هو السبب، حيث إن جُمَلها تحتاج لصوت ضخم، وعادة ما يخرج من الجوف أو نهاية الحلق.

ويشير الخطيب إلى أن الكثير من المناطق الفلسطينية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال تشترك في مقطوعات وشطرات معينة من كلمات الأهازيج، لكن في ذات الوقت تمتاز كثير من المناطق بكلمات وأهازيج خاصة بها، ومنها بلدة دير استيا، فهي تختص بأهازيج متوارثة منذ مئات السنين، واليوم بضعة أشخاص يحفظون شَطَرات الجُوفية.

أبو يوسف الخطيب يقول إن بلدة دير استيا تمتاز بأهازيج خاصة بها، ذاتُ كلمات قد يعتبرها كثيرون غريبة، مثل: "يا أبو سلامة قلبي لليوم مجروح.. جابوا الخطيب ومددوني على اللوح"، "يا عريس يا جِيّد عن عدوك ما نحيّد.. ولو وصلت الحكومَة"، "مبارك حمامك يا زين.. يا أسمر يا كحيل العين"، "آه يا أبو الميلوية مر ما سلّم علي، مر وجماله عطاشى، والمناهل منتلية"، "يا أبو فلان لاقينا ع البوابة"، "ع البيادر قابلونا.. ولعونا ودشرونا.. ولعونا في هواهم.. كيف القلب تا يسلاهم".

"آه يا ضرب الشباري.. في العدا والدم جاري.. آه يا ضرب البارود.. في العدا على الحدود.. آه يا ضرب المَرتين.. في العدا والمبغضين"، هي مقطعٌ من الجُوفية الديراوية يُردده أبو يوسف، مشيراً إلى أنها تحمل معاني تدل على القوة والشجاعة.

ويؤكد الخطيب أن أهازيج الزفّة "الجُوفية" التي تُرافق الحمام تزخر بمعاني الاعتداد بالنفس، وتتضمن الفخر بالقيم العربية الأصيلة، موضحاً أن الأهازيج أيضاً تضم وصف جمال الشاب العريس وكرم ذويه وعائلته، إضافة لقوة "عُزوة العريس وشدة بأسهم على العدو، ويتخللها سرد أحداث ووقائع تاريخية عاشها الأجداد".

وينتقل الخطيب إلى هذه الأهازيج في الحاضر، حيث يوضح أنها لا تزال تفرض نفسها بقوة رغم تطور روح العصر وجنوح العرسان نحو صالات الأفراح بدلاً من الزفّات الشعبية وحفلات الرجال "السحجات"، ويضيف الخطيب: "اليوم هذه الأهازيج ألاحظ أن كثيراً من أهالي دير استيا إذا لم يروا أن وجود الزفة مناسب، فهم يرددون أهازيج الجُوفية في استقبال العريس من بداية الشارع المؤدي لصالة الفرح حتى وسط الصالة، أما المناطق الأخرى فأدخلت فرقاً متخصصة في أداء مثل هذه الزفّات الشعبية وهي فرق العراضات"، موضحاً أن هذه الفرق يتداخل في أهازيجها اللون الفلسطيني بالألوان الشعبية الأخرى كالسورية واللبنانية والأردنية، وكلمات الجُوفية فيها ليست فلسطينية خالصة، بعكس الوضع في بلدة دير استيا وبعض المناطق.

من جهته، يوضح الزجّال لؤي العاصي أن أداء الجوفية يختلف من منطقة فلسطينية لأخرى من حيث السرعة والإيقاع، فالأداء يتسم بالبطء في مناطق شمال فلسطين، أما مناطق الوسط الفلسطيني كجنين ونابلس وطولكرم فهي أسرع في أداء الجُوفية، وفي الجنوب الفلسطيني فتمتاز الجُوفية بالصبغة البدوية والبطء في الأداء الذي يتزامن مع مد الحروف.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018