بعد فشل الخطاب الاسلامي.. هل ستعود الفرصة للعلمانيين؟

بعد مرور ثلاثة عقود على شعار الدولة الديمقراطية العلمانية، الذي طرحته منظمة التحرير الفلسطينية، كحل يستجيب لخصوصيات المسألة الفلسطينية من ناحية، ويعتبر شرطا لبناء دولة عصرية جديدة من ناحية أخرى، تظهر كل المؤشرات تراجعا ملحوظا في دور وبرامج الاحزاب العلمانية، وصعودا لافتا لمشاريع الاحزاب اليمينية بالسيطرة، والسؤال هنا: ما الذي يحاصر الفكر العلماني الفلسطيني، هل المجتمع بحاجته ام ان الثقافة التقليدية تدفعه للغياب والاختفاء، الى أي درجة موجودة برامج علمنة المجتمع والى أي درجة تتقبلها هذه المرحلة السياسية في التاريخ الفلسطيني، وما الفكر الذي سيسود بعد تراجع الاحزاب الدينية الحالية؟ 

هذه الاسئلة طرحتها "الحال" على مجموعة من الاساتذة والمراقبين علها تقف على اجابات، وهنا كانت المواقف والتحليلات من هذا الموضوع.

عن هذا الموضوع قال الاستاذ في العلوم السياسية هاني موسى "مفهوم العلماني في الوطن العربي مستورد، لان العلمانية بالاساس هي صناعة غربية واوروبية وليست صناعة عربية، ولان ما جرى في اوروبا بالعصور الوسطى انتج لاحقا عصر النهضة، والذي بدوره افرز مفهوم العلمانية، وهي لا تعني بالضرورة فصل الدين عن الدولة بقدر ما تعني ان يكون الدين في الحيز الخاص والسياسة لها الحيز العام، وبالتالي يجب ان تكون هنالك علاقة جيدة بين الحيز الخاص والحيز العام دون ان يعتدي اي منهما على الاخر".

واضاف موسى: "نحن في الوطن العربي بحكم التبعية التي نعاني منها لاوروبا او القوى الاخرى المتنفذة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، استوردنا هذا المفهوم، وحاولنا ان نخلق منه علاجا للواقع العربي، لكن الواقع العربي يختلف عن الواقع الأوروبي، شكلا ومضمونا".

 

متى بدأ الصدام؟

في ذات السياق قال الاستاذ في علم الاجتماع السياسي د. بدر الاعرج: "اجمع علماء الاجتماع السياسي ان الصراع في المنطقة بين الدين والعلمانية بدأ في ظهور الشعار المعاكس للعلمانية المتمثل بـ"الاسلام هو الحل" بعد الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، ومع بدايات نشوء الحركات الاسلامية من الثمانينيات، بدليل ان حركة الجهاد الاسلامي ومؤسسها فتحي الشقاقي ألف كتاب "الخميني" وهذا دليل على تأثره بأفكار الخميني ومن ثم انبثقت حركة حماس من جماعة الاخوان المسلمين في مواجهة المد العلماني.

 

أسباب تراجع البرنامج العلماني 

وحول أسباب تراجع البرنامج العلماني، قال الاعرج: "في محور أول حول اسباب التراجع على الصعيد العربي، نذكر ان ظهور الاسلاميين جلب معه خطاب ان العلمانيين واليساريين فشلوا وان الاسلام هو البديل، ومن هنا بدأ ظهور فكرة ان الاسلام هو الحل، واسباب قوة الحركة الاسلامية كانت تكمن في فشل الجانب القومي مع حرب 1967 ايام عبد الناصر، الذي كان بداية لهزيمة الفكر القومي، وهزيمة المعسكر الاشتراكي في الثمانينيات والتسعينيات، فهذه الضربات شكلت هزيمة للفكر الاشتراكي، فأصبح هنالك فراغ، وتم ملء هذا الفراغ من قبل الحركة الاسلامية، وفي الثمانينيات بدأت قوتهم تكبر الى عام 2010، ومع بدايات الانتفاضة العربية انتعشت الحركات الاسلامية اكثر وخاصة الاخوان المسلمين في مصر".

واضاف الاعرج: "اما المحور الثاني بالنسبة لفلسطين، فالسبب في فشل المشروع العلماني او تراجعه هو تفتت الاحزاب اليسارية، والجبهة الشعبية تتحمل المسؤولية الاكبر، وعند مواصلة التفكير ان افراد الاحزاب اليسارية هم افراد في الحزب وليسوا في الفكر اليساري، وهذا ينطبق على الفصائل اليسارية الفلسطينية الاخرى، فالمسألة كانت ذات طابع تنظيمي، وليس لها علاقة بالجانب الفكري للمنتسبين للأحزاب.

 

ما بين الانحدار والنهوض

من جهته اكد الاستاذ هاني موسى: "التيار العلماني ضروري من ناحية النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وعلى المكونات المجتمعية في علاقتها بعضها مع بعض، بمعنى عندما نضع الدين في الحيز الخاص ونغلب الطابع المدني على الحيز العام وعلى الدولة، فهذا يعني ان هنالك امكانية للتعايش، وامكانية لقبول الاخر، ولفهم الاخر ولتعزيز العلاقة مع الاخر، ويعزز صوابية العلاقة بين الدين والدولة ما ينعكس ايجابيا على الاقليات التي تعيش في فلسطين، فيجب اعادة البرنامج العلماني للحفاظ على النسيج الاجتماعي الايجابي". 

ووضح الاستاذ الاعرج: "هنالك تطورات مهمة على صعيد المنطقة اولها اسقاط حركة الاخوان المسلمين في عمان شعار الاسلام هو الحل، وايضا بما يجري مع حزب النهضة بتونس الذي بدأ يتحول الى حزب علماني، ومع تأثير التجربة التركية، وتأثير الدول الاسلامية العلمانية مثل تركيا واندونيسيا وباكستان، والاحداث في سوريا والعراق واليمن مع داعش وبعد فشلهم في مصر، كل هذه المؤشرات عبارة عن بداية انحدار في الحركة الاسلامية السياسية على مستوى العالم الاسلامي وعلى مستوى العالم العربي، ومن هنا سيصبح هناك انتعاش للعلمانية".

 

التيارات الدينية فشلت ايضا

وحول وصف الحالة الايديولوجية لهذه المرحلة، قالت الاستاذة في دراسات المرأة رولى ابو دحو: "اثبتت التيارات الدينية واليمينية انها لا تستطيع ان تقود التغيير، فالتطورات في المنطقة العربية وحتى في فلسطين تؤشر الى الحاجة الى نهوض للقوى المقاومة بما فيها اساسا العلمانية، وتجربة الحكم في غزة كشفت عن ثغرات وسلبيات هذا التيار، واليوم اضحى وضعه مشابها لوضع السلطة في الضفة حيث الغضب والتذمر الجماهيري الواسع من النموذج الحكومي المتبع".

وأضافت أبو دحو: "علينا ان نطرح على انفسنا السؤال: هل التيار العلماني جاهز لان يكون البديل للمشروع الديني؟ حتى اللحظة لا تلوح فرصة لذلك، وان كانت المعركة في سوريا ونجاح المقاومة وسوريا في دحر التيار السلفي سيساهم من جديد في نهوض افكار قوى المقاومة بما فيها في فلسطين، وهذا سيساهم بدوره باعادة الاعتبار لقضية الفهم القومي والتقدمي للمجتمع على حساب الفهم الديني.

 

طالبة في دائرة الإعلام ببيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018