التشكيلي منذر جوابرة: حكاية ملثم تائه في وطن ومشرد في لوحات

 

 

بدأ لف سجارته التي لم تنطفئ طيلة اللقاء، وكأنها ايضا تود سماع فنان يكون لوحاته من خيوط هي بالأصل واهية، لكن يديه تنسجانها بأفكار تحول دون وهنها. إنه الرسام التشكيلي منذر جوابرة، التقته جريدة الحال في معرضه الشخصي في مدينة رام الله الذي حمل عنوان "زمن مكسور" ورسمت بالكلمات خيوط ذلك اللقاء. 

في عام 1976، ولد منذر جوابرة في مخيم العروب إلى الشمال من مدينة الخليل، وظل يلهو بين زحمة البيوت إلى ما قبل العشرين بعام، لتبدأ بعدها رحلة تنقله بين المدن الفلسطينية التي تعرّف من خلالها على الأنماط الاجتماعية والمعمارية المختلفة عما كان يختنق به المخيم.

وبعد اجتيازه الثانوية العامة بنجاح، برقت أول نقطة تحول في مسار الرسام الناشئ، فقد التحق بجامعة الخليل إلا ان تخصص التاريخ الذي "لم يدر كيف اختاره" قد سقط سهوا على لوحة حياته الأكاديمية، فلم يتجاوز السنتين ونصف السنة في ذلك التخصص قبل ان تحدث المفاجأة التي ربطت بخيط متين بين النقطة الأولى ونقطة التحول الثانية. 

 

"فجأة" ارتبط بالخيط

"بدايتي كانت غريبة عجيبة" قال قبل ان ترتسم على وجهه ابتسامة يشدها خيط من قلبه، فعلى الرغم من امتلاكه موهبة الرسم منذ صغر أنامله، إلا انه لم يمارسها بالقدر الكافي، اذ ان الفن لم يحظَ بدرجة عالية من الاهتمام، "ولم تكن في ذلك الوقت مراكز تختص بمجالات الفنون، واهتمام الناس كان متواضع تجاهها أيضا"، كما قال.  

لم يكن جوابرة على دراية بوجود معاهد ومراكز تسلط اهتمامها على جوانب الفن، لكنه يقول: "فجأة اكتشفت ان جامعة النجاح تضم ضمن تخصصاتها تخصص الفنون الجميلة" وهنا مسح البقعة التي سقطت سهوا على لوحته وتوجه إلى كلية الفنون ليضع خيطه الأول في مسيرته الحافلة باللوحات والمشاريع الفنية. 

 

من بين الخيوط خرج "الملثم" 

وفي احد المشاريع الفنية اطلق عليه لقب "الملثم"، والملثم الذي يعيش بداخل جوابره على حد قوله، هو تعبير عن الوعي الجماعي، فهذا المشروع بدأت خيوطه بالتشكل عام 2009 للتعبير عن كيفية التعامل مع الملثم وطرق التفكير به واشتياق الناس له، بالإضافة إلى التساؤلات التي تطرح حوله وطرق العيش معه، فقد جسد تلك الصور من خلال الرسم بالخيوط.  

"بالنسبة لي كانت زاوية الرؤية مختلفة للملثم، خاصة اني عاصرت مرحلتين من حياته فالمدة التي تقع بين عام 1987 حتى عام 1992 كان الملثم جزءا عاديا من المجتمع "الناس بتحضنه وبتحميه" إلا ان تحولات طرأت على واقعه عقب التطورات السياسية، تحديدا بعد توقيع اتفاقية اوسلو، فبدأت تظهر تعريفات عديدة لمفهوم الملثم وزوايا نظر مختلفة من قبل الناس تجاهه، فمنهم من قال عنه إرهابي وآخرون قالوا انه مقاوم والبعض قال انه ضد المشروع الوطني". 

وبالعودة إلى تاريخ ولادة مشروع الملثم في عام 2009 نزل منذر جوابرة إلى الشارع في مدينة رام الله متقمصا دور فكرته، فجاب طرقات المدينة يوزع الحجارة على الناس مستقرئا آراءهم وفاحصا معالم وجوههم التي اعترى الكثير منها الاستغراب، "الصدمة كانت هنا" ويشير إلى حالة الاستغراب التي انفجرت في وجوه المارة، مستحضرا شريط الانتفاضة الأولى حينما كانت نظرات الناس تجاه الملثم واحدة "لا أحد يسأله من أنت" لكن هذا السؤال التقى به كثيرا في الشارع اثناء جولته. 

نقل جوابرة تجربته إلى ألمانيا، في برلين تحديدا، ليجس نبض الألمان حول معرفتهم بفلسطين، وتصورهم للملثم استكمالا للمشروع ذاته، ثم اعاد التجربة مرة ثالثة في كولون في ألمانيا "استخدمت في هذه المرة حجارة من مخلفات الحرب العالمية الثانية التي تعد جزءا من الثقافة الألمانية، وأردت من ذلك الربط بين رمزية الحجر الفلسطيني والألماني" وكان التفاعل في المرة الثانية كبيرا ولامس اطلاعا جيدا على القضية الفلسطينية.  

مع عودته إلى فلسطين بدأ يطرح الأسئلة على نفسه بكيفية تقديم صورة عن المقاومة للخارج، مع الإبقاء على الصورة الجميلة بذات الوقت. "كيف يمكن أن أقدم صورة جميلة للجمهور الفلسطيني بعين فلسطينية حقيقية؟". وهنا تشكلت خيوط الملثم في لوحات جوابرة فكان الملثم النائم، والملثم الذي يحمل وردة، والملثم الجالس مع العائلة والملثم الذي يقرأ، "الملثم الذي من الممكن ان تكون حياته بسيطة وما حدث له اليوم صار محبطا ويلعب الورق في المقهى أو أنه نائم". 

ظل مشروع الملثم يسير على وتيرة من التطور واخذ 5 سنوات متتابعة حاول جوابرة ان يبرز في كل سنة منها بطرق توثيقية، ما يحدث من تحولات تطرأ على حياة صاحب اللثام، وفي الانتفاضة الاخيرة عاد الملثم من بين الحجارة ودخان عجلات الكاوشوك على الرغم من كونها عودة متواضعة، لكن يكفي القول ان الملثم عاد "وانتقلت في عام 2016 إلى وضع فكرة الملثم على مواقع التواصل الاجتماعية وهناك أصبح الملثم وهميا وبعيدا عن الواقع".

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018