البقاء لله

 

ينفق المرء عمره وهو يركض. يحسب له الآيفون عدد خطواته التي مشاها ذلك اليوم، فيجد أنها تعادل خمسة كيلومترات، ينظر في المرآة ويبتسم: لا أزال شاباً. ثم يكتشف أن علته شيء آخر؛ المسكين أصيب بالإيبولا وهو في إحدى الدول الأفريقية، وكان يحب السفر "من ناحية صحية".

ويسأل آخر نفسه قبل أن يمد يديه إلى أول لقمة: هل غسلت جيداً؟ آه غسلت لكن ذلك اللعين يعرف عاداتي الوسخة إزاء النظافة فسلم عليّ متعمداً بعد أن رجعت. ويهرع الرجل إلى الحمام كي يغسل مجدداً. المسخم مات في حادث سير بعد يومين.

هل نتوقف عن العناية بهذه التفاصيل وغيرها؟ الجواب: لا.

استطراد: إن الذي يخاف من حوادث السير لن يشتري سيارة طول عمره، ومن يتذكر كوارث الطيران لا يسافر إلا بحراً مثل محمد عبد الوهاب. مهلاً، للبحر كذلك جوع لا يهدأ. يروي موسيقار الأجيال -وكان خفيف الدم- أن سفينة غرقت وعلى متنها مئة وثلاثة عشر راكباً لكن فرق الإنقاذ انتشلتهم 114، لأن سيدة حاملاً كانت مسافرة وولدت بعد ذلك.

صاحب "مسافر زاده الخيال" الذي كان يخاف على حياته من الطائرات، لم يرزق حسن الختام. تزحلق الرجل على درج بيته ومات.

ولو لم يكن الموت "أصدق المواعيد" لغض بصره عن موسيقارنا نظير لحنه "أمل حياتي".

يغترب الإنسان عن بلده ويظل يجمع المال مخافة أن يعود إلى بلده لا وراءه ولا قدامه ثم يرجع بعد حين، ويشتري سيارة يحسده عليها رواد القهوة التي ليس له عمل سواها. تمضي أشهر ثم يكتشف أن نظره خف ولا يحسن القيادة ليلاً.. ألا اشتراها وهو في عز شبابه؟

فشلت في كل مرة كنت أحاول فيها الإضافة إلى نظرية فرويد الأشهر، وهي أن غريزتين اثنتين لا ثالث لهما تسوقان البني آدم سوقاً إلى كل ما يفعل كالخروف: الموت والحياة. كنت سأقول إن الخوف هو ثالث الغريزتين ثم وجدته ينتسب مرةً للأولى ومرة للأخرى.

على سيرة عبد الوهاب، سمعته يستخدم "الأخوين رحباني" في حالات الرفع والنصب والجر. ذلك أن "الأخوان" تحيله "إلى شركة سجائر أو ناس بشتغلوا حاجة غير موسيقية"، ولست أدري هذه له أم عليه.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018