الأسير بلال كايد..رالحرية التي لم تتم

 

 

في الطريق الى منزل الاسير في نابلس، ثمة لافتة كبيرة معلقة تشير إلى الاسرة التي ولد وترعرع فيها بلال كايد. قرعت الجرس ودخلت. كانت والدته رهيبة تجلس بين الزوار والمواسين بإضراب ابنها، جلست بجانبها، وبدأت هي بالحديث عن اعتقال ابنها بلال في الرابع عشر من كانون الأول عام 2001، بتهمة الانتماء إلى كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في الجبهة الشعبية.

 

الاعتقال

كانت الأم تتحدث بصوت قوي وقلب منفطر تضحك حينا وتتأمل حينا آخر في ذكرى اليوم الذي اعتقل فيه بلال الذي كان يبلغ من العمر 19 عاماً، ويعمل موظّفا في سلك الشرطة، وكيف جاء جنود الاحتلال إلى الحي وطوقوا المنزل ودخلوه وطلبوا الحديث مع بلال. في البداية رفضت الأم السماح لهم برؤيته، لكنّها في النهاية وافقت وأيقظته، ليكبلوه ويخلعوا عنه كنزته ويفرغوا قنينة ماء باردة على صدره. 

وبعد أن أجلسوه على كرسي، حاولت الأم الوصول إليه لتلبسه كنزته مرة أخرى، لكنّ الضابط منعها، فلم تتمكن إلا من وضع ملابسه على كتفيه علّها تقيه برد ذلك اليوم القارس.

"فتشوا المنزل وأخرجوا بلال إلى الخارج" تتابع الأم، "لحقت بهم لكنّهم أخذوه في السيارة، وبعدها علمت أنّهم دفعوه إلى الجيب ليسقط داخله".

مرت ثلاث سنوات والأم تبحث عن طرف خيط يوصلها إلى مكان بلال، حتى وصلتها رسالة مع والدة أحد الأسرى يقول فيها كما روت الأم: "يا والدي العزيز، يا والدتي العزيزة، إذا انتو لسه ع قيد الحياة اسألوا عن ابنكم السجين". وكان آنذاك في سجن الرملة. لم تدر الأم في تلك اللحظة أتفرح لأنّها سترى ابنها قريبا أم تحزن لأن رؤيتها له لن تتعدى الدقائق المعدودات!

 

اللقاء الأول

صدر تصريح الزيارة لوالدته وحينها كان بلال في سجن جلبوع.

وصلت الأم إلى قاعة زيارة الأسرى المراقبة بالكاميرات والتي كان تعجّ بالزائرين، وفي المنتصف هناك لوح زجاجي ضد الرصاص يمكن الزائر والأسير من التواصل فقط بالنظر وبالصوت عبر سماعات هاتف.

وقفت تبحث عن بلال وتنقل نظرها بين الأسرى علها تلمحه، وأمامها كان يقف شاب يطرق على الزجاج، لم تعره اهتمامها بداية وعندما سألت قريبا لها بجانبها "وين بلال؟"، أشار إلى الشاب الذي يدّق بيده على الزجاج، وكان هو بلال.

تتابع الأم: "بلال تغيّر مظهره كثيراً، جسمه نحيف ولون بشرته يميل إلى السواد".

حبست الأم دموعها لئلا تضعف عزيمته، واقتربت تحادثه عبر زجاج القاعة دون القدرة على لمس يده حتى.

وتوالت زيارات الأم مرة كل أسبوعين، لحظت فيها تحسنا ملحوظا على صحته، في حين لم يزره والده سوى مرتين بحجة عدم وجود صلة قرابة كما كان يرد الاسرائيليون، أما أخوه الأكبر فلم يزره قط للحجة ذاتها، وباقي أفراد العائلة كانت تصاريحهم الأمنية لا تصدر دائما.

 

لقاء لم يتم 

في بداية العام الماضي، كان آخر لقاء بين الأم والأسير كايد، إذ إن بلال أدخل العزل لمدة 6 أشهر، وعندما خرج، سارعت الأم لإصدار تصريح زيارة، وعندما وصلت إلى معتقل النقب، قالوا لها "التصريح طلع بالغلط إلك وبلال محروم من الزيارات"، حاولت الأم اقناعهم بالدخول إلا أنّها فشلت وجلست تنتظر خروج الزائرين وربما تحسدهم فكلّهم رأوا من يحبون إلا هي لم تر سوى منطقة الانتظار، ليسجل شهر أيار العام الماضي آخر زيارة لم تتم أو لنقل شبه زيارة.

 

قرار بالإفراج

ووقعت إدارة السجن ورقة الإفراج عن كايد يوم الثالث عشر من حزيران للعام 2016، وعليه زيّن منزله وحضّرت الولائم، فبلال سيسهر الليلة بين من يحب وسيأكل الطعام الذي أحب، بعد غياب أربعة عشر عاما ونصف العام.

انطلق موكب الاستقبال صباح اليوم المنشود إلى حاجز الظاهرية جنوب الخليل لاستقباله، وفجأة يرن هاتف شقيقه محمود لتبلغه محامية مؤسسة الضمير أن بلال الآن نقل إلى محكمة عوفر، وفي طريقهم إلى عوفر أعادت المحامية الاتصال لتبلغهم بتحويل بلال إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.

هنا كانت الصدمة، لكنّ ما كان يتقافز إلى أذهان من ذهبوا لاستقباله هو "ماذا سنقول لوالدته التي تنتظره في المنزل؟".

في تلك اللحظات أحست الأم أنّها لن ترى بلال، لكنّها فضلت الانتظار وفي قلبها بصيص أمل، ولم يكد محمود يدخل المنزل حتى سألته "يما وين بلال؟"، فأجاب: "بلال تأخر الإفراج عنه وسيخرج غداً"، لكنّه عاد وغيّر أقواله إلى شهر، إلا أن الأم لم تقتنع وألحّت حتى عرفت أنّه لن يخرج اليوم ولا غدا ولا بعد شهر.

 

الإضراب

منذ أن علم بلال بقرار تحويله إلى الاعتقال الإداري أعلن إضرابه التام عن الطعام، ورفض المدعمات وبدأ بتناول الماء دون ملح، لينقل بعد 33 يوماً إلى مستشفى برزيلاي العسكري، ثم أعلن انتصار إرادته على السجان بعد 71 يومًا من مواجهة دولة البغي بأمعائه الخاوية.

بلال وكما حدثنا شقيقه محمود استثمر سنوات سجنه في تعلم العبرية والانجليزية والفرنسية وتعليمها لزملائه، وحاول أن يتابع دراسة العلوم السياسية في الجامعة العبرية، إلا أنّه لم يستمر لأنّ إدارة السجن خيرته بين دراسته ومطالب المعتقلين، وتكرر الأمر ذاته عندما انتسب إلى مشروع تعليم السجناء في جامعة القدس المفتوحة.

لن يغلق باب السجن على بلال، كما أنه لم يغلق على أحد، ومصير أسرى الحرية كلهم، ان يتنسموا هواءها، مهما طالت عتمة السجن، وقد انتصر بلال، ووصل إلى اتفاق يقضي بعدم تجديد أمر الاعتقال الإداري الحالي بحقه وإطلاق سراحه يوم 12/12/2016.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018