أيدٍ ناعمة تواجه قسوة الأشواك والحياة

 

يسبقن طلوع الشمس، ويخرجن من منازلهن قبل هبوب الرياح، ليواجهن بأيديهن الناعمة أشواك الصبار القاسية، لجمع ثمار في موسمها، لبيعها والاستفادة من ثمنها.

فتيات في عمر الزهور، أجبرتهن ظروفهن القاسية، ورغبتهن الجامحة في إكمال تعليمهن الجامعي على امتهان أقسى المهم وأكثرها خطورة، لا يأبهن بما يواجهنه من صعاب، وكل همهن جمع رسوم الجامعة، وأجرة المواصلات وثمن الكتب، ليحققن حلمًا راودهن لسنوات.

 

مهنة شاقة

تقول الفتاة العشرينية ريهام محمد التي تقطن في منطقة ريفية نائية بمنطقة الفخاري جنوب شرق خان يونس إنها تغادر المنزل برفقة شقيقها الأصغر عند الخامسة صباحًا، وكل منهما يحملُ معولًا صغيرًا مثبتًا به ذراع خشبي طويل، لتبدأ رحلة شقاء تستمر خمس ساعات، تبحث خلالها عن ثمار التين الشوكي الناضجة، لتقوم بقطفها وجمعها.

وتضيف ريهام الطالبة متفوقة بإحدى جامعات قطاع غزة أن مهنتها القسرية شاقة وخطرة، فبالإضافة إلى خطورة أشواك الصبار على الجسم والعينيين، فإنها تواجه خطر الأفاعي والكلاب الضالة، التي تتخذ من نباتات التين الشوكي ملجأ لها.

وأوضحت أنها بعد انتهاء عملها تقضي ما بين 3-4 ساعات وهي تحاول إخراج الأشواك من يديها، مستعينة بملقط معدني صغير، لكنها أمام تحقيق حلمها لن تتراجع، وستواصل العمل، سواء في مهنة جمع الصبار أو غيرها.

وتشتكي ريهام من ارتفاع أسعار الساعة الجامعية، وحاجتها لمصروفات كبيرة، كأجرة المواصلات، وثمن الكتب، وعائلتها فقيرة بالكاد تستطيع توفير قوت يومها، لذلك فهي مجبرة على العمل لتغطية كل تكاليف الدراسة، خاصة مع غياب برامج منح وقروض تساعد الطلبة.

وتعاني ريهام من مشاكل وأمراض جلدية عديدة، منها ظهور حبوب في اليدين، وخشونة في مقدمة الأصابع، ما يجعلها عاجزة عن ممارسة واجباتها المنزلية، أو حتى الإمساك بالقلم بصورة طبيعية، بالإضافة الى المتاعب الجسدية، جراء التعرض لأشعة الشمس فترات طويلة.

وأكدت أنها أحيانا تعود بشواقل معدودة لا تكفي لشيء، خاصة مع انخفاض أسعار الصبار بسبب كثرة جامعيه، لكنها لا تمتلك حلاّ سوى المحاولة والاستمرار.

 

أعباء أسرة وجامعة

ولأنسام سعيد حكاية مختلفة مع هذه المهنة ربما أكثر قسوة من ريهام، فهي كما تقول فتاة متزوجة ولديها أربعة أبناء، زوجها لا يعمل، واختارت أن تلتحق بالجامعة، في كلية التربية "قسم تعليم أساسي"، علها تحظى بوظيفة بعد التخرج، لتحسن من الوضع المعيشي لأسرتها، لكنها صدمت بتكاليف الدراسة المرتفعة، التي وقف زوجها عاجزًا عن تلبيتها، ما دفعها لمهنة جمع الصبار وبيعه.

وتبدأ رحلة العناء والشقاء لأنسام عند الخامسة فجرًا، حيت تقضي ما بين 4-5 ساعات لجمع الصبار، ثم تعود للبيت لكنسه وتنظيفه من الأشواك، وتضعها في أوعية بلاستيكية، وتتوجه إلى السوق لبيعه، ثم تعود ظهرا للبيت مرة أخرى، لتطهو الطعام وتنجز أعمال المنزل، قبل أن تتوجه للجامعة ظهرًا.

وينتشر نبات التين الشوكي "الصبار" بكثافة شرق القطاع، بحيث يزرعه المواطنون كحماية وسياج لأراضيهم.

الستينية "أم ثابت"، وهي امرأة مطلقة ومسؤولة عن رعاية أسرة كبيرة، تصطحب بناتها الثلاث إلى شوارع القرية التي تقطنها لجمع الصبار، لتوفير مصروفات الجامعة لهن، ليتمكنّ من الحصول على شهادة جامعية أسوة بأقرانهن من الفتيات.

وتكشف أم ثابت أن بعضًا من بناتها حرمن من دخول الامتحانات بسبب تراكم الرسوم، لذلك فهي تستغل أي مهنة مهما كانت شاقة لتوفير المال، الذي يكفل لهن إكمال مشوارهن التعليمي.

 

قروض شحيحة

وأكد الباحث والأكاديمي عماد محسن، أن برامج قروض الفقراء المتوفرة في الجامعات الفلسطينية محدودة، وعادة ما ترتبط بتمويل من طرف مؤسسات خارجية، أو مؤسسات المشاريع الصغيرة، وهي قروض صغيرة وقصيرة الأجل، وقلما تساعد الطلاب الفقراء على إكمال مشوارهم الجامعي وعلى الطالب الاعتماد على عائلته او نفسه.

ويرى محسن أن برامج القروض والمساعدات في الجامعات عشوائية، ليس مبنيًّا على أسس واضحة من جهة المعايير، وحتى هذه المعايير تتبدل وتتغير من وقت لآخر، والمفترض أن الطالب المتفوق يحصل على إعفاء كامل، وليس نصف إعفاء، وأن فرصة القرض لا بد أن تكون متاحة لكل من يستحق.

ولفت محسن إلى انه حتى اللحظة لا يوجد برامج منح أو إعفاءات أو قروض يلبي احتياج الطالب ويحقق الفائدة المرجوة.

وأكد أن الكثير من الأسر تحرم بناتها من إكمال تعليمهن الجامعي، وتجبرهن على الزواج، هربا من تكاليف التعليم العالية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018