مسرح نسيب شاهين في جامعة بيرزيت.. مبنى عصري لدعم الثقافة والفنون

"أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطِك شعباً مثقفاً"، لعل هذه العبارة التي قالها أهم كتاب المسرح في القرن العشرين الألماني برتولد بريخت، تلخص أهمية المسرح للمجتمعات، كأحد منابر الأدب والثقافة ومختلف الفنون، وما له من دور في مواكبة قضايا الشعوب، ووسيلة مهمة للتواصل فيما بينها.

وإيمانا من جامعة بيرزيت بدور الثقافة في بناء الأجيال، واستكمالا لدورها الأكاديمي في خدمة الطلبة والمجتمع، سعت الجامعة لإنشاء مسرح جامعي متميز يخدم قطاعات واسعة من الطلبة والعاملين ومؤسسات المجتمع المحلي والدولي بكل اهتماماتها، فجاء مسرح نسيب عزيز شاهين الذي افتتح في التاسع عشر من الشهر الماضي، ليرسخ رؤية الجامعة وليشكل امتداداً لما تبنته الجامعة منذ نشأتها في دعم الثقافة والفنون.

يقع مسرح "نسيب عزيز شاهين" في الطرف الشمالي الشرقي من حرم الجامعة، ويتكون من قاعة كبيرة مدرَّجة بعرض 23 مترا وارتفاع يتراوح بين 10 إلى 15 مترا. وتتسع القاعة لـ 862 شخصا (516 في القسم الأمامي و144 في القسم الخلفي و202 في الشرفة). ويمكن استيعاب 100 شخص إضافي في البهو المجهز بشاشة عرض وسماعات. أما خشبة المسرح (Stage) فهي بعمق 12 مترا وعرض 20 مترا، ويوجد في القسم الخلفي من المسرح ثلاث غرف لاستعمال أعضاء الفرق (للتحضير للعروض)، وغرفة خاصة لبيانو متوسط الحجم، كما يتضمن المسرح بهواً كبيراً وغرفة خاصة لاستقبال الضيوف الرسميين، ويشمل طابقا أرضيا يمكن استعماله لاستراحة الفرق المسرحية أو للتدريب، كما يمكن الاستفادة منه لتخزين الأدوات والأجهزة المستعملة على المسرح، وجميع مرافق المسرح مهيأة لاستعمال الأفراد ذوي الاحتياجات الحركية الخاصة.

ويرى رئيس مجلس أمناء جامعة بيرزيت د. حنا ناصر أن المسرح سيشكل فضاء حراً للحركة والإبداع، وسيتألق المسرح بنشاطات هادفة فكريا ومسرحيا وموسيقيا، وسيشكل حاضنا للنشاطات والعروض الثقافية المحلية والعالمية المتميزة، وستعمل الجامعة جاهدة لإحضار فرق مسرحية وموسيقية محلية وعالمية للاستفادة من المسرح وزيادة الوعي الثقافي لدى المواطنين بشكل عام ولدى جمهور الطلبة بشكل خاص. 

 

مبنى يشع نوراً

"تكتسب المباني الضوء من النوافذ التي تتسلل منها الشمس لتفرض حضورها، ولكن في مسرح نسيب عزيز شاهين، نحن في مبنى بلا نوافذ، لكنه سيكون منارة للفن والأدب والجمال، وسيعزز قيما نبيلة تضاف إلى إرث تاريخي بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر، وكرّس حضوره في القرن العشرين، رغم النكسات والنكبات المتتالية، التي لحقت بالشعب الفلسطيني"، هكذا وصف رئيس جامعة بيرزيت د. عبد اللطيف أبو حجلة مسرح الجامعة.

وأضاف: ستسعى الجامعة إلى استقدام فرق فلسطينية وعالمية، لتقدم عروضا موسيقية ومسرحية، وستفتح الجامعة أبوابها لكافة المهتمين من المجتمع المحلي، ومن طلبة الجامعة للحضور، في مسعى تراه الجامعة من ضمن أولوياتها، وهو الانتصار للثقافة، وإعلاء أعمدتها، فهي تساهم في تشكيل وعي منفتح على مختلف الثقافات، ليصيغ ثقافتَه الخاصة، المنتصرة لحقه في الحرية والاستقلال".

 

عائلة شاهين ودعم بيرزيت

إن تطور جامعة بيرزيت يحتاج دوما إلى تضافر الجهود مع أصدقاء الجامعة، الذين يعطون ولا يبخلون، ويمدون يد العون كل مرة، قناعة منهم بعِظم الرسالة التي ترفعها الجامعة، ودورِها المهم أكاديميا ومجتمعيا.

ومن هنا برزت عائلة شاهين، التي مدت يد العون دائما لبيرزيت وساهمت في تطورها ونهضتها ايماناً منها بأهمية العلم والثقافة للمجتمع الفلسطيني. 

حقق افتتاح المسرح حلماً كان يراود نسيب شاهين، الذي توفي عام 2009 أي قبل ستة أعوام على افتتاح المسرح، حيث ترك في وصيته وقفية خاصة لإنشاء هذا المسرح، كما ساهم في تمويل إنشاء المسرح وتجهيزه السيد شوقي شاهين، الأخ الأكبر للدكتور نسيب، والسيد عبد المحسن القطان، و"دار الهندسة– شاعر ومشاركوه" في الأردن، وجمعية أصدقاء جامعة بيرزيت في الولايات المتحدة الأميركية، والسيد سليم إده من شركة ميوريكس بلبنان، ومؤسسة منى وباسم حشمة في الولايات المتحدة الأميركية.

ويقول د. ناصر: "لم تمنع سنوات الاغتراب الراحل نسيب شاهين من دعم الوطن، وظلت فلسطين حاضرة في ذاكرته، فبالرغم من أن الدكتور نسيب شاهين قد ولد في الولايات المتحدة، إلا أن جذوره تنحدر من فلسطين ومن رام الله بالذات، وقد درس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم أكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة كاليفورنيا وقام بالتدريس في جامعة ممفيس في ولاية تينيسي في الولايات المتحدة، ويأتي دعم إنشاء المسرح في سياق إدراك واع لدور الفن كرافعة حقيقية للشعوب، التي لن يمنعَها الاحتلال والبؤس الشديد، من البحث عن الفرح والسعادة، وحضور المسرحيات والعروض الموسيقية".

 

مبنى عصري وتصميم مميز

افتتح المسرح بعروض فنية قدمتها فرقة سنابل وفرقة المعهد الوطني للموسيقى وفرقة جذور، أنارت بها خشبة المسرح والصالة وغزت مشاعر وعقول المتفرجين، وأبهرتهم جمالية المسرح وروعة التصميم.

هذا البناء المتكامل احتاج في جميع مراحل العمل التي استمرت لما يزيد عن ثلاث سنوات لتضافر الجهود، فكان المكتب الهندسي في الجامعة متابعا للتصميم ولجميع العمليات التنفيذية والتنسيق بينها، كما أشرف على البناء. وحول آلية العمل والمشاركين فيها، يقول مدير المكتتب الهندسي د. بشارة أبو غنام: "قام بتصميم المبنى والإشراف على التنفيذ مكتب "جمال الظاهر للاستشارات الهندسية" في رام الله، وتمت الاستعانة بالمهندس المعماري منير ترزي، المتخصص في المسارح في الولايات المتحدة، في عملية التصميم الداخلي لمدرّج القاعة الرئيسة".

أما بالنسبة للأمور التنفيذية، فقد قامت شركة "الوداد للمقاولات" ببناء المرحلة الأولية من المشروع (الهيكل) وشركة "البديع للتعهدات العامة والمقاولات" وشركة "سيجما إلكتروميكانيك" باستكمال المرحلة الثانية والنهائية،  وساهم في التنفيذ عدة شركات فلسطينية متخصصة من بينها شركة "سيلفرستون" لأعمال الصوت والإضاءة، وشركة "كلايماتيك" للتكييف، وشركة "العجولي للأثاث والديكور" للتأثيث. وقد قامت شركة "Akukon" من فنلندا بدراسة تقنيات الصوت في المسرح وإعطاء التوجيهات الضرورية لتأهيله ليصبح لائقا للعروض المسرحية والموسيقية، كما تمت الاستعانة بمعهد إدوار سعيد الوطني للموسيقى للإشراف على تركيب أجهزة الصوت والإضاءة.

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018