"دار ستي عزيزة".. مشروع يروي قصة حوش شاهين في بيت لحم

 على بعد قرابة ثلاثين مترا جنوب كنيسة المهد، على مسافة خطوات قليلة من شارع مغارة الحليب، يوجد درج طويل يربطه بشارع العناترة، وعلى الجانب الأيسر قبل نهاية الدرج يقع حوش شاهين، أو ما بات يُعرف الآن بـ"دار ستي عزيزة".

يقابل الزائر المتجه للحوش باب حديدي، وضعت أعلاه لوحة فسيفسائية تتوسطها صورة امرأة بالزي التراثي الفلسطيني، وعلى جانبي الصورة كتب بالعربية والإنجليزية "دار ستي عزيزة". فمن هي عزيزة وما حكاية هذه الدار؟

 

مشروع "دار ستي عزيزة"

عزيزة شاهين هي زوجة عيسى شاهين، أحد أبناء عائلة شاهين المسيحية من طائفة الروم الأرثوذكس في مدينة بيت لحم .

تعد عائلة شاهين من أقدم وأعرق العائلات في تاريخ المدينة، وقد كان أبناؤها أثرياء، ومنهم نيقولا شاهين الذي كان رئيساً لبلدية بيت لحم عام 1932، الذي كان يتبرع براتبه لصالح خزانة البلدية، وحنا شاهين، وهو والد عيسى شاهين أحد أفراد الحوش المذكور الذي كان تاجراً معروفاً.

إيميلي عيسى شاهين التي تجاوز عمرها السبعين عاما ًهي آخر  أفراد عائلة شاهين الذين ما زالوا على قيد الحياة. تحكي قصة منزل عائلتها أو حوش شاهين الذي يُقدر عمره بحوالي 500 عام. وتبدأ إيميلي الحديث عن سيدة المنزل أمها عزيزة:

"كانت والدتي امرأة قوية قادرة على تحمل أعباء الحياة، يُشهد لها وقوفها إلى جانب الثوار أيام الاحتلال الإنجليزي، فقد كانت تقدم لهم الطعام مجاناً وتضعه في"الباطية" (قطعة خشب مقعرة كالإناء الكبير يوضع فيها الطعام)، كما كانت تخبئ في ثوبها السكاكين أو "الشباري" والبنادق التي كان يحملها الثوار عندما تحاصرهم القوات البريطانية في سوق المدينة الواقع بجانب دارنا، فتنقذهم من عقوبة الإعدام لحوزة السلاح. وكما يقولون، كانت أمي (أخت رجال)". 

وتضيف: قرر ابني نبيل رشماوي استنهاض تاريخ عائلة والدته من خلال ترميم الحوش بتمويله وإشرافه، ومن ثم تحويله لنزلٍ سياحي يبدو مختلفاً عن نظرائه في المدينة، كأن يقدم معلومات تاريخية عن الدار أو الحوش، ويجعل الزائر يحيا بعض أجواء العائلة قديماً. وكل أثاث الغرف من الصناعات الفلسطينية من أغطية الأسرة وغطاء البلاط المكون من البسط الفلسطينية التقليدية. كما يحظى الزائر بوجبة فطور تتضمن الأكلات الفلسطينية المصنوعة بالطرق البيتية، منها أكلات تعلمتها إيميلي من والدتها عزيزة، إضافة إلى الحرص على الإبقاء على التصميم الأصيل للمنزل دون إضافات عصرية من شأنها نزع بساطة وعراقة الحوش.

يقول رشماوي: "بدأت تنفيذ المشروع عام 2009 وافتتحته عام 2014 لا للغاية التجارية فحسب، بل لأحافظ على تاريخ عائلة أمي من الاندثار كون المنزل يعد الشاهد الأثري الوحيد على وجود هذه العائلة في بيت لحم، إلى جانب أنني محبٌ للتراث والحوش الذي عاشت فيه أمي وأخوالي الستة وجدي وجدتي".

ويضيف: أحاول من خلال الدار التي أبقيت على اسمها "دار ستي عزيزة" أن أحكي للزائر قصة حوش شاهين، وسميت الغرف بأسماء استوحيتها من طبيعة استخدامها قبل سنوات طويلة، كغرفة الفرس وغرفة عروس بيت لحم، بالإضافة إلى وضع ملصق مكتوب باللغتين العربية والإنجليزية بجانب كل غرفة يحكي استخداماتها في الماضي، كما أن كل غرفة تحتوي على مخطط يبين موقع الغرفة بالنسبة للدار.

 

حكاية الغرف

المنزل كبير ويتكون من طابقين: طابقه الأول أربع غرف يفصل بينها ممر واسع، تقع أولاها على اليمين، وهي غرفة البازار التي كانت تستخدمها العائلة للعمل والتجارة، وتتضمن الغرفة شاهداً واضحاً على قدم المنزل وهي ثغرة منحوتة على شكل مربع في أحد جدرانها، تسمى "مصطبة"، تضع فيها النساء "البابور" المستخدم قديماً للطبخ، وعلى جانبي الثغرة حجْر مخصص لوضع لوازم الطبخ من بهارات وغيرها. ونُحت أعلاها شكل التاج الذي يدل، حسب نبيل رشماوي، على أن بناء الحوش قد يعود للعهد القوطي.

مقابل غرفة البازار توجد غرفة البئر، حيث كانت نساء المنزل يستخرجن ماء البئر الموجودة في الغرفة لأغراض الطهي والتنظيف. أما باقي الغرف، كغرفة الحبوب، تقول السيدة شاهين: "كان التجار الذين لا يملكون أماكن لحفظ محاصيلهم من الحبوب يأتون إلينا لتخزينها في هذه الغرفة، لا سيما في فصل الشتاء، وكانوا يقدمون لعائلتي عدة صيعان من تلك الحبوب مقابل ذلك". 

وبجانب غرفة الحبوب تقع غرفة الفرس أو الإسطبل، التي كانت مخصصة للحيوانات كالأحصنة والجمال والخراف.

وفي الطابق الثاني للدار، توجد خمس غرف تقع بشكل دائري، يتوسطها حوش في إحدى زواياه حاكورة صغيرة زرعت فيها شجرة فستق حلبي. وهناك فتحة كبيرة تتوسط الحوش العلوي مطلة على الطابق الأول. وإحدى هذه الغرف كانت تخصص لحفظ النبيذ وتصنيعه ثم بيعه، وإلى جانبها غرفة لحفظ ثمار الزيتون بعد قطافه كـ"رصيص"، ثم غرفة عروس بيت لحم، وحكايتها أن حنا شاهين أحضر عروساً من حلب كانت تدعى جميلة وكانت حلبية جميلة، وأسكنها هذه الغرفة، وبجانبها غرفة استحدثت لدواعي البناء، وآخر غرف الطابق الثاني غرفة "إيميلي الصغيرة" التي كانت مخصصة للنوم.

 

الطابع المعماري للحوش

تتمتع "دار ستي عزيزة" بطابع معماري خاص يختلف عن كثير من البيوت القديمة في مدينة بيت لحم، حيث إن تصميمها الداخلي يثير دهشة الزائر والمختصين في البناء. تقول المستشارة في مجال المعمار من مركز حفظ التراث المهندسة رشا حمدان: "إن أكثر ما كان لافتًا في حوش شاهين طريقة بناء الغرف وتجميعها إلى جانب بعضها، وكأنها مقسمة لتشبه بالأساس هيكلة بناء الفنادق. وهذا ينم عن ذوق معماري يصلح للتصرف في كل الأزمان".

وتعتبر حمدان الحوش تحفة معمارية، سواء من ناحية البناء أو المواد المستخدمة آنذاك، حيث بقي المنزل قائماً حتى اللحظة، وهذا دليل على ثراء العائلة التي حرصت على متانة التصميم واختيار أجود مواد البناء التى استخدمت في العمارة .

وتلفت إلى أن شكل النوافذ مستوحى من رموز الدين المسيحي كنجمة بيت لحم الثمانية التي حفرت في أحد جدران الغرف كفتحة "للتهوية" قديماً للسماح لأشعة الشمس نهاراً بالدخول للغرف. وتحت النجمة حيث أعلى النوافذ، حُفر في الجدار شكل "كأس القربانة" مقاربة لكأس النبيذ في الاعتقاد المسيحي، وفي بعض الغرف، ما زالت الحفر المربعة في جدرانها قائمة، حيث كانت مخصصة للملابس كخزائن.

أما بعض الأشكال الأخرى المنحوتة في جدران المنزل، فقد خصصت لوضع الأغطية والفرش المستخدمة للنوم فيما كان يعرف بـ"المصفط أو المطوى"، وشوهدت أعلى سقف المنزل قبل الترميم القضبان الحديدية المتدلية التي كان يعلق فيها الطعام لحفظه "الناموسية".

حوش شاهين بشكله الجديد ليس مجرد استثمار سياحي لمنزل قديم، بل فكرة لإحياء حكايات دار توفي كل أفرادها عدا إيميلي. يقول رشماوي: "أجمل شعور ينتابني عندما نجلس أنا ووالدتي في حوش ستي عزيزة، وتحكي لي عن أيامها فيه". وتستحضر السيدة إيميلي ذكرياتها قائلة: "أتذكر جلستي على نافذة غرفتي ولهفتي للعودة لدارنا عندما كنت طالبة في مدرسة داخلية بالقدس، وأنا جالسة في الدار أشم رائحة الورد الذي كانت تزرعه أمي هنا".

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018