تقع شمال غزة.. وتسمى "القرية البدوية" "بدنا نتعلم".. صرخة طالبات مدرسة البنات الوحيدة في "أم النصر"

 في قرية أم النصر، شمال قطاع غزة، تعاني الطالبات من ثقل بوابة المدرسة عند فتحها وإغلاقها. لكنهن يعانين أكثر، لأن قريتهن، المعروفة بـ"القرية البدوية"، تغلق بعد المدرسة أي باب ممكن للتعليم الجامعي.

على باب مدرسة حمزة بن عبد المطلب، الحكومية الوحيدة للفتيات في قرية أم النصر، تحدثت الطالبة عايدة أبو رشود، التي تحلم أن تصير صحافية، بعد تردد قائلة: "أنا بحب المدرسة والتعليم، بس أحيانا بفكر إنه شو الفائدة اذا مش حكمل للجامعة.. صعب أهلي يخلوني أدرس جامعة. بالعافية وافقوا على الثانوية. يعني أنا صرت في آخر سنة. واذا حضرت أو غبت، كله واحد".

"سعاد" أيضا شارفت على إنهاء المرحلة الثانوية، قالت لـ"الحال"، وهي تشير إلى خاتم خطوبة في إصبعها: "أنا حتجوز قبل الامتحانات، وكتير خايفة إنه خطيبي ما يخليني أكمل، وأدخل الامتحانات أو أدرس بالجامعة"، مؤكدة أنها اشترطت عليه ان تكمل الثانوية العامة على الأقل، ولكن، على حد وصفها "لو قال لأ، مين حيراجعه في وعده إلي".

ضحكت سعاد وهي تقول: "بس إذا منعني، حنكد عليه عيشته. أنا روحي في التعليم".

 

ثلاث مراحل في مدرسة واحدة

وتضم مدرسة حمزة بن عبد المطلب المراحل الدراسية الثلاث: الابتدائي والإعدادي والثانوي، وهو ما يشكل عبئا مضاعفا على الكادر التعليمي.

تقول مديرة المدرسة نجوى الحرتاني: "نحن هنا في معركة، نقاتل من اجل الاستمرار؛ فالإمكانيات ضعيفة سواء من حيث مساحة المدرسة أو عدد المعلمات". مضيفة: "هناك تكدس للطالبات داخل الفصول لدرجة أننا حولنا المكتبة لصف. وتفتقد المعلمات وجود غرفة خاصة بهن".

وأشارت الى أنه في السنوات السابقة، كان عدد سكان القرية قليلا، وهناك رفض لفكرة تعليم الاناث. لكن اليوم، ازداد عدد السكان بصورة كبيرة وازداد وعي الأهالي بضرورة تعليم الفتيات، على الأقل حتى المرحلة الثانوية، حتى باتت المدرسة تشهد اقبالا كبيرا من قبل الفتيات على التعليم، وهو ما لا نستطيع استيعابه مع بقاء مساحة المدرسة كما هي دون محاولات لتوسعتها.

وتؤكد المديرة الحرتاني أن المدرسة تحاول التواصل مع كل الجهات المختصة مثل بلدية القرية، على الأقل من أجل توسعة المباني الموجودة أو الموافقة على إقامة مبنى جديد يستوعب زيادة الأعداد. "بناء مدرسة جديدة للفصل بين المراحل الثلاث هو أمر قيد الدراسة من وزارة التربية والتعليم العالي"، حسب حديث الحرثاني، لكنه أمر غير وارد على الخطة الحالية.

 

صعوبة الوصول

بنيت قرية أم النصر في النصف الثاني من التسعينيات، بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، لسببين: إنهاء سيطرة البدو على الأراضي الحكومية في شمال القطاع، وضع حد لتمدد البؤر الاستيطانية الثلاث التي أزيلت عام 2005 عقب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، الأمر الذي حول حياة البدو من البداوة إلى العيش في بيوت إسمنتية متلاصقة، ومن ثم بنيت المرافق الصحية والتعليمية والخدماتية، وبدأت الفتيات بعدد قليل جدا يرتدن المدرسة الوحيدة التي تقع أقصى شمال القرية.

تقول المعلمة ابتسام النيرب: "كثير من المعلمات لسن من سكان القرية، ويجدن صعوبة كبيرة في الوصول اليها بسبب عدم رصف الطرق والمواصلات غير المؤمنة"، مضيفة: "في أجواء الشتاء والمطر، من الممكن أن تبقى الطالبات يسرن تحت المطر حتى الوصول للمدرسة، حيث تخلو الطريق من حركة السيارات والمارة ومن المحلات التجارية والمرافق الخدماتية".

تصف النيرب بمزيج من السخرية والأسى شعور الطالبات والمعلمات عندما تلاحقهن الكلاب الضالة في الطرق الزراعية المؤدية للمدرسة، حيث تركض الفتيات دون شعور حتى الوصول "مقطوعات الأنفس".

وترى المعلمة هبة الفالوجي أن بُعد المدرسة عن بيوت الطالبات وصعوبة الوصول إليها، قد يكون سببا رئيسيا في خوف بعض الأهالي على الطالبات، وبالتالي منعهن من الذهاب الى المدرسة خصوصا أن المدرسة لا يفصلها الكثير عن الحدود الشمالية للقطاع، حيث تتواجد قوات الاحتلال وهو ما يشكل خطرا على من يصلون الى تلك المنطقة.

وتشير الفالوجي إلى انه من المستحيل ذهاب الطالبات فرادى، فهن يسرن الى المدرسة مجموعات حتى يشعرن بالأمان أكثر.

 

أمية وفقر

تقول المعلمة إيمان أبو رفيع، وهي واحدة من بنات القرية اللواتي أكملن تعليمهن: قديما كان من سابع المستحيلات أن يسمح الأهل للفتاة إكمال تعليمها، فأقصى مرحلة يمكن الوصول اليها الاعدادية، أما اليوم فهناك تطور نوعي، ففي الغالب باتوا يسمحون للفتاة انهاء المرحلة الثانوية، ولكن ما زالت هنالك صعوبة في استيعاب فكرة الجامعة عند الكثير من الأهالي"، مضيفة: "الأمهات بالذات هن أكثر من يدعمن فكرة تعليم فتياتهن، حتى لا يقعن فرائس للجهل الذي عشنه سابقا".

تذكر أبو رفيع قصة والدة إحدى الطالبات وهي تقول لها: "سأعلم بنتي، ولو على حساب المأكل والمشرب. لا أريدها أمية لا تستطيع حتى قراءة منشور على علبة دواء".

ورغم ذلك، تعتبر أن أمية الأهالي سبب رئيسي في ضعف تحصيل الفتيات، فهن لا يجدن من يراجع لهن الدروس، وبالتالي يكون كل الاعتماد على المعلمات.

وتؤكد ابو رفيع ان الوضع المادي في كثير من الأحيان يتحكم بمصير الفتاة، خصوصا لو كان لها إخوة ذكور، حيث يتم تفضل تعليمهم على تعليم البنات.

تقول الطالبة عايشة أبو دحيل: "نفسي أكمل تعليمي وأصير ممرضة لأنه احنا في القرية كتير بيكون في قصف قريب منا وبتأخر الاسعاف. أنا بدي اساعد أهل قريتي".

"نحن لا نريد الزواج، نريد التعليم"، قالت أسماء رميلات بصوت طالبات المدرسة، وأضافت: "من حقنا نتعلم، ومن حقنا نختار حياتنا. احنا ممكن نتزوج ونكمل تعليمنا. الحياة مش يا زواج يا تعليم. الحياة مش يا زواج يا عمل. احنا قادرات نعمل كل شيء، بس علموا اهالينا وفهموهم انه انه احنا بنقدر وبدنا نتعلم".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018