الهبة الشعبية.. بنت الأرض وبلا غطاء سياسي

 عبّرت الإجابة المقتضبة لأحد أعضاء "تنفيذية" منظمة التحرير، الذي فضل عدم ذكر اسمه، عن واقع الحال، فقد أكد أن سؤالًا قصيرًا لتفسير العلاقة بين السلطة والفصائل والهبّة الحالية، لا يمكن الرد عليه دون تفكير عميق وجلسة حوار طويلة، وليس بالمُستطاع الإجابة عنه بسهولة عبر الهاتف، ومن يفعل ويرتجل يُشبه "بائع الشعارات"!

 

أقل الخسائر

يُفرّق أمين سر المجلس الثوري لحركة "فتح" أمين مقبول بين موقف "فتح" والسلطة إزاء الهبة الشعبية، ويقول لـ"الحال" إن موقف السلطة محكوم بالتزامات فهي تتعامل رسميًا مع ما يجري، في حين أن "فتح" تشارك وتقرر وترعى الهبة، وتعتبرها إحدى محطات المقاومة الشعبية، التي دعت إليها، وإفرازا لغضب الشعب بعد سلسلة الاعتداءات المتكررة على "الأقصى" والقتل اليومي.

ويرى مقبول أن "فتح" سعت إلى أن تكون الهبة الجماهيرية بأقل الخسائر من الدماء، وتراها متصاعدة ومستمرة، فيما دعت السلطة إلى عدم وصول المواجهات إلى موقع محدد هو مدخل البيرة الشمالي كونه المدخل الوحيد للقناصل والسفراء والمؤسسات الدولية.

ويؤكد أن "فتح" لم تتأخر عن اللحاق بالهبة، ومن يدعي عكس ذلك فهو يحاول تشويه موقف الحركة، التي قدّمت ثلاثة أرباع الشهداء والأسرى فيها، وتشارك في فعالياتها، وهي هبة مستمرة بمشاركة الفصائل والقوى الحية، وشكلت منعطفًا إيجابيًا لصالح القضية الفلسطينية، بعد أن كادت الأحداث الإقليمية والدولية ترحلها إلى آخر جدول أعمال العالم".

وحسب مقبول، فإن الحصاد والتضحيات للهبة الحالية مختلف في مفهومها من شخص إلى آخر، وطبيعة الحال تؤكد أن كل المعارك والانتفاضات والهبات والثورات تنطلق لتحقيق أهداف سياسية في نهاية المطاف.

 

اضطرار 

فيما يؤكد قيس عبد الكريم (أبو ليلى) نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية أن السلطة "وجدت نفسها مضطرة لمسايرة الإجماع وضرورة حماية الهبة ومجاراتها وتطويرها، ولكن بحذر وتردّد شديدين، واتسم موقفها بالمسايرة على مضض ومحاولة استثمارها سياسيا في تحسين شروط التفاوض في إطار سياسة المراهنة على الولايات المتحدة كراعٍ للسلام".

ويضيف: "هناك حذر داخل السلطة من مواجهة شاملة مع إسرائيل لما ينطوي عليه ذلك من تهديد لمصالحها، كما أن التماهي مع الضغط الدولي الدافع نحو التهدئة مأخوذ بالحسبان".

ويتابع عبد الكريم: "مثلما انطلقت الهبة دون قرار من السلطة والفصائل، فبوسعها أن تستمر كذلك، لكن المطلوب تطويرها لتتحول من حركة شبابية انطلقت من جيل ولد بعد أوسلو وشهد مأزق التفاوض، إلى حركة اجتماعية نضالية شاملة".

ويقول: الفصائل ليست غريبة عن الهبة، فمعظم الشبان هم من أبنائها أو تربوا في أحضانها، لكن الفصائل متخلفة عن الانخراط فيها بسبب التكلس الذي تعانيه الحركة الوطنية، والخيارات السياسية المتباينة المطروحة من الفصائل القريبة من السلطة، والتي تجد مصلحتها في عدم الانغماس في مجابهة شاملة مع الاحتلال.

 

غطاء سياسي غائب

لكن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش يرى أن السلطة "ما زالت حتى الآن صامتة، ولم تغط الانتفاضة سياسيا، وتخشى أن تشكل خطرًا عليها، ومطلوب من السلطة أن توفر موقفاً داعمًا عبر الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة، وألا ترضخ للضغوط الدولية التي لا تخدمها ولا تخدم شعبنا".

ويؤكد البطش أن الادعاء الذي يُروج ابتعاد الفصائل عن الهبة الحالية يُسوّقه مرتبطون بمصالح وأجندات خارجية، فكل الشهداء ومنفذي العمليات هم من أبناء الفصائل، لكنهم آثروا العمل الفردي، في ظل التنسيق الأمني وممارسات الاحتلال وإجراءاته.

ويراهن القيادي في الجهاد الإسلامي على أن الانتفاضة الحالية، كما سماها، "قادرة خلال عام واحد فقط على أن تجعل الاحتلال يبدأ حزم حقائبه من الضفة الغربية. ويبدد مخاوف السلطة وترددها في دعمها بالقول إنها موجهة ضد الاحتلال وليس ضد السلطة، ولتكون الخليل دون "كريات أربع" والقدس  دون "معاليه أدوميم"، وهي فرصة لتفعيل الإطار القيادي لمنظمة التحرير واستعادة الوحدة الوطنية".

 

خوف وحذر

واستنادًا إلى المحلل السياسي هاني المصري، فإن السلطة تحاول من ناحية توظيف الهبة لتحقيق استئناف المفاوضات وأنه دون ذلك ستنفجر الأوضاع، ومن ناحية أخرى تخاف من هذه (الموجة الانتفاضية) أن تكبر وتفقد السيطرة عليها، وتستفيد منها نهاية المطاف منافستها حركة "حماس".

ويقول: "تؤيد السلطة هذه الموجة (كما يصر على تسميتها)، ولكن دون الانخراط الفعلي فيها، ومن غير توفير مقومات استمرارها وتوسعها وتحولها إلى انتفاضة شاملة، وما يميز موقف السلطة الخشية أكثر من الأمل، والخوف أكثر من التوظيف".

ويتابع المصري: "تنبع مواقف السلطة و"فتح" و"حماس" من الخوف والرغبة، ففتح تخشى أن توظفها منافستها، وحماس تنطلق من الموقف نفسه، ويتملك الأطراف المختلفة الخوف أكثر من الرغبة في التوظيف، مع الأخذ  بالاعتبار أن الفصائل الأخرى لا تستطيع أن تُوسّع الهبة حتى لو رغبت بذلك".

ويؤكد أن الانقسام الراهن وغياب الوحدة يمنعان اشتعال أي انتفاضة شاملة، كما أن خوف الشعب من تكرار تجربة الانتفاضات السابقة، التي لم تحقق إنجازات وانتهت باتفاق أوسلو، وغياب إجابة: "لماذا لم ننتصر؟" تحد من إمكانية اندلاع انتفاضة شاملة، وهذا الأمر مرتبط بالزمن، وقد يتغير.

 

انتفاضة أفراد

ويصف المصري الهبة الحالية بـ"انتفاضة أفراد" يمكن أن تفرز فصائل جديدة، أو تجبر الفصائل على التغيير، أو تخلق قيادات جديدة كما في حملات مقاطعة إسرائيل، والمقاومة الشعبية. فيما يرى أن  تدخل السلطة في بعض المواجهات ومنعها يندرج في إطار "إيصال رسائل إلى إسرائيل بأنها ما زالت على العهد، وملتزمة بالتنسيق الأمني". 

ويختم رأيه بالقول: "خشيت السلطة من ارتداد الموجة الراهنة عليها في البداية، وحاولت لاحقًا "جس النبض" في رام الله وطولكرم، وإذا نجحت في تجربة التدخل والمنع هذه فإنها ستنقلها إلى مواقع أخرى".

 

تراجع تدريجي

ويقول منسق المقاومة الشعبية في الضفة الغربية صلاح خواجا "إن الحسابات من السلطة والفصائل والمؤسسات في بداية الهبة الحالية ملحقة بالموقف الشعبي ودور الشبان الميداني، وصدرت مواقف إيجابية، ولكن موقف السلطة بدأ بالتراجع التدريجي، ووصل إلى درجة منع الوصول إلى حاجز مستوطنة "بيت إيل"، أعقبه قمع المتظاهرين بطريقة مُعيبة بلباس مدني، ما أحدث شرخًا في الموقف وعزز  الانقسام في دعم الهبة".

ويضيف: "كان تقديرنا أن يدعم الموقف الرسمي للسلطة الانتفاضة ويطوّرها، لكن بدأت تظهر مواقف غير واضحة كإغلاق جامعة خضوري (طولكرم)، وحل مجلس طلبتها، والواقع الداخلي في جامعة النجاح، ومحاولة طرح أن تكون المسيرات بعيدة عن نقاط المواجهة مع الاحتلال".

ويعتقد خواجا أن الهبة كانت فرصة ثمينة أمام القيادة لتطبيق قرارات المجلس المركزي، ووقف  التنسيق الأمني، وتطوير حملات المقاطعة، لكن ذلك لم يحدث.  

ويتابع: "لا يمكن وضع  مواقف السلطة والفصائل كلها في سلة واحدة، ونلاحظ أن الموقف العام يتسم بالتردد في التعاطي مع الهبة، وبدأت تظهر البطولات الفردية في ظل تراجع دور الحركات السياسية، ومع وجود شريحة مستفيدة من الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، تتمثل في المؤسسة الرسمية ورجال اقتصاد وسياسيين".

وينهي خواجا: "إذا لم تلتحم القيادة مع الشعب، ولم يتم التعاطي مع الإرادة الشعبية، وعدنا من جديد للرهان على المفاوضات، فإننا لن نحصل على الاستقلال".

 

امتعاض شعبي

ووفق أستاذ العلوم السياسية وعميد كلية الآداب في "العربية الأمريكية" د. أيمن يوسف، فإن تقييم العلاقة بين الهبّة والسلطة يمكن أن يبدأ من البحث في تبعات وآثار الانقسام، إذ أثبتت المواجهات الميدانية أن "حماس" والجهاد الإسلامي معنيتان بشكل أساسي في خلق حالة "امتعاض شعبي" من الوضع الراهن وخيار السلام.

ويضيف: "علينا تتبع الانسداد السياسي في آخر عامين أو ثلاثة، وتراجع مسار أو تحالف السلام الفلسطيني، وكل ذلك يمكن أن يشكل رواية موحدة للهبة، فضلاً عن استمرار الاستيطان وجريمة دوما وعملية بيت فوريك، لكن ثمة من يرى أن السلطة والفصائل تترك الهبة لتسير بمفردها ودون أي حاضنة".

ويتابع يوسف: "يثبت تتبع السير الذاتية للكثير من منفذي العمليات الحالية ميولهم السياسية الواضحة، لكن هوامش الفصائل وخياراتها، بما فيها حركة "حماس" آخذة بالضيق".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018