"الختيار" لا يزال حيًّا في مكتبه بتونس

عندما تمر قرب المنزل الواقع بشارع "يوغرطة" في العاصمة التونسية، فإنه لن يسترعي انتباهك كثيراً بمظهره العادي، الذي يخفي خلفه سنوات حافلة بالأحداث المهمة التي شهدها ذلك المكان، والقرارات التي صدرت منه، بحكم كونه مكتب الرئيس الراحل ياسر عرفات في تونس.

ولو قدر لك أيضًا أن تدخل إلى ذلك المقر، لوجدت أن كل شيء لا يزال على حاله، كأن الرئيس قد ترك تونس للتوّ؛ حالة الأثاث المعتنى به جيداً، والمكتبة التي اقتناها الرئيس، وأقلامه، وكأن المقر جاهز ليعود الرئيس إلى ممارسة عمله من جديد!

في عام 1982، انتقل الرئيس ياسر عرفات إلى الأراضي التونسية قادماً من لبنان. أقام في البداية بقصر "السعادة" ليومين، ثم انتقل إلى معسكر "الزرقا" ليكون بين جنوده، ومن ثم إلى فندق "سلوى" على الساحل التونسي، ليستقر أخيراً في مقره المتواضع بمنطقة "متيال فيل" في تونس العاصمة. 

"هذا المكان لم يكن مكتباً ومقراً لإقامة الرئيس أبو عمار فقط، بل هو بيت الشعب الفلسطيني"، بهذه الكلمات بدأ مدير المقر العميد عبد الرحيم حسين حديثه معنا، وقد التحق بالطاقم المرافق للرئيس الراحل منذ بداية الثمانينيات، وشهد معه حصار بيروت عام 1982، والانتقال بعدها إلى تونس، ثم حصار طرابلس عام 1983، وحادثة سقوط طائرته في صحراء ليبيا عام 1992.

يضيف العميد حسن: "في كل مكان كان فيه، أثبت أبو عمار وجوده وجدارته كقائد، ففي حادثة سقوط الطائرة على سبيل المثال، شارك في نقل الجرحى لما تبقى من هيكل الطائرة، والإشراف على تقنين ما تبقى من الطعام والشراب وتقسيمه بين الجميع، إلى حين العثور علينا في صباح اليوم التالي". 

وقدم العميد تعريفاً عاماً بمقر الرئيس الراحل في تونس المكون من طابقين، الذي كان في واقع الأمر مكتبه ومقر إقامته: "هنا غرفة نوم الرئيس الراحل، وغرفة الاجتماعات التي صدرت منها العديد من القرارات المصيرية في التاريخ الفلسطيني، وجمعته مع العديد من القيادات والشخصيات والوفود العربية والعالمية التي كانت تأتيه من كل مكان". 

ويسترجع العميد حسين ذكرياته مع الرئيس عرفات في ذلك المقر بالقول: "كان إنساناً يحب البساطة في كل شيء، حتى في طعامه الذي كان بسيطاً، ويعتمد في أساسه على الشوربات. لم يكن يغلق بابه في وجه أحد من أبناء شعبه. فضلا عن كونه شعلة من النشاط المستمر، فقد كان يعمل لساعات طويلة يومياً، وبالتالي، فإن ساعات نومه كانت محدودة جداً، حتى إنه كان يعمل خلال سفره بالطائرة. إلا أنه ورغم مشاغله الدائمة فقد كان يحب ممارسة الرياضة، ولديه في مقره هنا جهاز لممارسة رياضة الجري".

وتعبر مقتنيات المقر عن شخصية الرئيس الراحل التي تتسم البساطة، بعيداً عن البذخ و"البهرجة". كان يبدو من حالة المقر كأن الرئيس لا يزال على قيد الحياة! فالمكاتب وقاعة الاجتماعات نظيفة ومرتبة، والمكان -رغم انتقال الرئيس منه منذ زمن بعيد- لا يزال يحتفظ برونقه الذي ينتمي لأمجاد تلك الحقبة من الزمن، وذكرياتها المليئة بالأحداث المهمة. 

يمكنك أن تتخيل كيف كان الرئيس الراحل يجلب كرسياً للاستمتاع بالشمس في ساعات الصباح الأولى، وكيف كان يتمشى في باحة المقر الخلفية أو الأمامية في بعض الأحيان، وجدول عمله الحافل بالمقابلات والاجتماعات، وتواضعه في التعامل مع الجميع. 

يقول العميد حسن: "بعد مرور أحد عشر عامًا على رحيله، فإنني أفتقد القائد الرمز الذي عملتُ إلى جانبه سنوات طوالا من عمري، وجمعتنا ذكريات غالية على قلبي، وهذا المقر الذي أديره اليوم سيبقى شاهداً حياً على ذكراه، ومدى عظمة هذا الرجل الذي لن يتكرر".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018