إعاقة إسراء لم تعقها عن التميز


عزيمة فاقت تصلب الصخور وإرادة أبت الانكسار، تلك التي جعلت إسراء حسن (23 عاما) تتخطى إعاقتها في سبيل تحقيق أحلامها، ولم تجعل للحزن والحواجز طريقا إلى حياتها.

في الأول من أغسطس عام 1992، رأت إسراء نور الحياة، ولكنها كانت ولادة مبكرة جدا حيث وضعتها والدتها في شهرها السادس، بسبب مشاكل صحية تعرضت لها والدتها، ما سبب نقصا في الأوكسجين للجسم وخللا في الدماغ الذي أتلف الجهة اليسرى من جسم إسراء وجعل الكرسي المتحرك جزءا من جسمها .

 

علاج باء بالفشل

حاولت العائلة تقديم العلاج المناسب لإسراء أملا في شفائها، وأجريت لإسراء ثماني عشرة عملية جراحية، تحملت آلام العمليات واحدة تلو الأخرى بكل إصرار وتحد، إلا أن هذه العمليات باءت بالفشل، ولكنها لم تفشل إسراء ولم تجعلها تغلق الباب على نفسها وتتخذ جدران الغرفة صديقة لها، بل انطلقت في الحياة متخطية هذه الآلام، بل وجعلتها حافزا إلى الانطلاق رغم كل صعوباتها.

استمر الوالدان في تقديم العون والمساعدة لابنتهما في سبيل تجاوز هذه الحقيقة وتقبلها للواقع، وكانا خير عون لها. تقول إسراء: "أمي وأبي ساعداني كثيرا في حياتي، ودعماني دائما، وأكثر شيء أنهما ساعداني نفسيا كيف أتقبل الأمر، بالإضافة إلى دكتوري الذي ألهمني وساعدني للمضي قدما في الحياة، وان الإعاقة ليست إعاقة الحركة والجسد وإنما إعاقة العقل.

 

إسراء والمدرسة

بلغت إسراء العمر الذي يؤهلها لدخول المدرسة كأي طفل آخر في الحياة، ولكن الهواجس كانت ترافقها: كيف سيتقبلها المجتمع، وكيف سيكون تعاملهم معها. وفي بداية الأمر، كان للمجتمع دور في ذلك، وفي زيادة معاناتها وجراحها، بحيث رفضت العديد من المدارس القبول بتسجيل إسراء في كل مدرسة يذهب إليها والداها، بسبب الإعاقة. ورغم العديد من الطلبات، إلا أنها قوبلت بالرفض جميعها. تقول إسراء: "تأخرت عن المدرسة ثلاث سنين بسبب رفضهم دخولي إلى المدرسة بسبب إعاقتي". وفي عمر التاسعة دخلت إسراء إلى المدرسة بعد أن كانت في مركز خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، عندها اكتشف إن إسراء قادرة على التعلم بل ومتفوقة. وبدخولها المدرسة واختلاطها بالعالم الجديد، تخلصت من كافة هواجسها السابقة، كانت بداية  إسراء في مدرسة علماء الغد الإسلامية، لغاية الصف الخامس الأساسي، وبعدها انتقلت إلى مدرسة قلنديا الثانوية وبقيت متفوقة لغاية الصف الثاني عشر "التوجيهي"، وحصلت على معدل (86.6%) الذي أهلها لدخول الجامعة، وكانت بيرزيت وجهتها. 

 

باب آخر وأمل جديد

"عالم جديد ومجتمع جديد، وحياة لم أعهدها من قبل"، بهذه الكلمات عبرت إسراء عن بدايتها الجامعية. كانت الطرق والممرات الجامعية وخصوصا بين الكليات من أكثر ما واجهته إسراء من صعوبات، فالممرات الخاصة الموجودة للوصول إلى بعض الكليات تتطلب الالتفاف في الكليات وخوض طريق طويل للوصول إلى المحاضرة، ولم يكن من الصعوبة لشخص يحمل من التحدي والعزم كإسراء تخطي هذه الصعوبات وغيرها، وتخصصت إسراء في العلوم السياسية في الجامعة، وهي الآن في سنتها الثالثة.

لم تعد نظرات الناس المتعاطفة أو النظرات التي تحمل الشفقة لإسراء تؤثر بها، بل هي تقابلها بابتسامة وتجعلها دافعا لمواصلة الطريق والمضي قدما.

الأستاذ عازم عساف رئيس دائرة اللغة الإنجليزية في جامعة بيرزيت تخطى إعاقته البصرية وشق طريقه في الحياة، وصولا إلى التدريس بالجامعة، بحيث لم يكن هذا نشاطه الوحيد، فهو يسعى دائما إلى مساعدة كل ذي إعاقة في الجامعة من خلال "مجموعة أصدقاء أشخاص ذوي الإعاقة في بيرزيت"، التي تلبي كافة احتياجات هؤلاء الأشخاص، فكان الأستاذ عساف الشخص القدوة والملهم لإسراء بالإضافة إلى الشهيد الشيخ "أحمد ياسين" الذي أصبح رغم إعاقته رمزا من رموز القضية الفلسطينية .

لن تقف إسراء عند حدود حصولها على شهادة "البكالوريوس"، إنما لها هدف بأن تصبح شيئًا مفيدًا في المجتمع، وأن تضع لها بصمتها في المجتمع، وأنها إذا توفرت لها الفرصة، فسوف تتقدم للحصول على شهادة الماجستير ومن بعدها الدكتوراة.

وجهت إسراء رسالة إلى المجتمع عامة، وللأشخاص ذوي الإعاقة خاصة، بأن يسعوا إلى تحقيق أهدافهم وألا تكون الإعاقة إلا  نقطة البداية للانطلاق في الحياة، لأنهم لا يختلفون عن الأشخاص المعافين بشيء، بل ربما يفوقونهم إرادة وتفوقا وعزيمة.

ظروف صعبة ومعاناة لم تتوقف ولكن إسراء بإصرارها وإرادتها القوية تخطت كافة الحواجز لتصبح مثالا للقوة والإرادة التي يفتقدها العديد من الأشخاص المعافين في كافة المجتمعات.

 

طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت*

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018