أبو حاتم: الرجل الأرشيف!

 

يتفاخر الستيني محمد محمود أبو فرحة بجمعه لأحداث قريته الجلمة، شمال جنين، وتوثيقه لكل شاردة وواردة فيها، وملاحقته لأخبارها وتاريخها، وتواصله مع مغتربيها، وتوثيقه ونشره صورًا لرجالاتها وأرضها وحقولها وأفراحها وأحزانها وأهلها.

يقول: أبصرت النور في آذار عام 1951 بقريتي الواقعة على خط الهدنة (مع مناطق فلسطين المحتلة عام 1948) والتصقت بها، وبدأت في سن مبكر بجمع أحداثها، ومن أوائل ما دونت كيف أن طائر الحبش - الذي كانت ترعاه والدتي- كان يعبر خط الهدنة ومعه صغاره، فتطلب مني أمي ندى لحلوح، اللحاق به في مرج ابن عامر، حتى وصلت قرية صندلة، وذات مرة كنت أرتدي الكوفية فتبعني مراقب الحدود عن سطح المسجد، وعندما دخلت بيتنا طلب من أبي تسليم الرجل الداخل إلى منزلنا، وبعد خلعي للكوفية لم يعرفني، فأجابه والدي: هذا ولد صغير لحق الحبشة وفراخها وليس مقاتلاً!

 

ذاكرة خصبة

بدأ أبو فرحة بجمع حكايا قريته الصغيرة في مخطوطات، واستثمر مواقع التواصل الاجتماعي منذ عام 2007؛ لينشر ما جمعه قبل عقود، وليعيد سرد ما وثقه من تفاصيلها الدقيقة، حتى إنه لا زال يحتفظ بأغاني الفلاحين التي سمعها في طفولته: "حية حية، وش هالحية، حية وحوت، في المرج دوت، وتحاووها، ما لحقوهان وتحاوتهم، ما لحقتهم، سيف ناداها، وتولاها، وتولته، ما لحقته.."، ثم انتقل من التدوين بالكلمات والمذكرات إلى التقاط الصور وتبويبها في مجموعات خاصة تبعًا للمناسبة ولكل شيء يتصل بالقرية.

يسرد: امتلكت صوتًا جميلاً في صغري، فهويت الغناء والأذان. وأول أغنية خلال حملة تطوع مع أطفال قريتنا لتنظيف مغارة قلت فيها: "عليّ الطلاق، من أم الملاك، الخبز البارد، والله ما بنذاق". وكان في الجلمة شيخ وقور طاعن في السن، هو محمد رشيد الكيلاني (الناقوري) يطلب بصوته المبحوح ونحن في الابتدائية الأذان، فنتسابق على المنبر في ساحة المسجد، ومن يومها هويت الأذان، وأتخصص حتى اليوم بأذان المغرب في رمضان، رغم غيابي الطويل لـ27 سنة في ليبيا، واشترينا مكبر صوت للمسجد عام 1974.

 

عريف وحكم وشهيد

كان أبو فرحة من أوائل طلبة الابتدائية، وكلفه مدير المدرسة بمهمة العريف وحامل مفاتيح الصفوف، وتحول إلى حكم لمباريات كرة الطائرة. وحين انتقل إلى الإعدادية في جنين، كان يذهب ورفاقه على الدراجات في طابور واحد بأكثر من أربعين دراجة. وفي هذه المرحلة راح المعلم علي الجرباوي يأخذهم لنكش حديقة المدرسة المزروعة بالبرتقال والخضراوات الأخرى في حصة التعليم الزراعي.

يتابع: كنت في الثالث الإعدادي سنة النكسة، وقاوم أهالي القرية بضع ساعات، واشتبكوا مع القوة التي كانت على حاجز الجلمة، ثم طلب منا الجيش الأردني الخروج قبيل الغروب، وتجمعت بضع قرى في دير أبو ضعيف المجاورة، وفي الصباح استيقظنا على هدير دبابات الاحتلال، فتفرقنا في الجبال، ونزحنا نحو خربة الوهادنة ثم عجلون وإربد حتى استقر بنا الحال في الزرقاء، أما أخي الشهيد عزت، الذي كان في الثانوية العامة، فكان ممن وزعت عليهم البندقية الإنجليزية، وبعد وقت قصير أطلقت عليه دبابة رصاصة مدفع تقيل وهو يحمل صندوق ذخيرة على كتفه. والمحزن أن الإذاعة الأردنية قرأت أسماء الناجحين في التوجيهي ووصلت إلى أخي عزت، ووقتها تعالت أصوات الدعاء والترحم عليه، فقد غاب عن الدنيا قبل النتائج.

 

غربة ونفي وكتب

تلقى أبو فرحه تعليمه الجامعي في بيروت العربية عام 1970، وتخصص في اللغة العربية، وعاش في لبنان بين حرب وسلم، وبعد تخرجه اشتعلت الحرب الأهلية، فغادرها 1975 قاصدًا  ليبيا التي علم بها 22 سنة، تخللها اعتقاله إدارياً عام 1978، ونظم قصيدة من 56 شطرة، بقدر ليالي التحقيق معه، وكتب في السجن أول كتبه، وبعدها فرضت عليه الإقامة الجبرية ستة أشهر، وازداد حبه لبلده بعد غياب خمس سنوات بين عمل ليبيا وسجن نابلس، وتعرض للنفي المؤقت أعوام 1980 و1984و1989، وعاد إلى ليبيا مُدرسًا.

يوالي: أعددت كتاب (أستاذ الإملاء والخط) وطبعته في ليبيا وفلسطين، ثم (أستاذ النحو والصرف) وثالثًا (أستاذ البلاغة والعروض) وبعده (ألف سؤال وجواب) و(تفسير جزء عمّ) وكتبت بعض القصائد الوطنية، وفور عودتي إلى الوطن عام 1997، عيّنت معلماً في جنين، وحين سمعت طالبًا يقرأ موضوعًا عن بلدي (الجلمة) أثار شوقي لها، وازدت حبًا لكل ما يتصل بها.

 

كشافة

أسس أبو فرحة فرقة كشافة في قريته عام 1998، وصارت تضم 160 عضوًا لتنشط في احتفالات دينية واجتماعية ومدرسية، ثم عين مديراً لمدارس فقوعة، ثم دير غزالة، فالجلمة، حتى وصل التقاعد عام 2011، ليستذكر انضمامه في الثامنة من عمره إلى فرقة كشافة المدرسة واستقباله لرئيس وزراء الأردن هزاع المجالي الذي جاء لزيارة الخطوط الأمامية ومنها الجلمة عام 1959 وانشد له: "بم بريكا بم بريكا.. كشافة الأردن بتحييكا".  

يكمل: تضاعف اهتمامي في  قريتي عندما انتقلت لإدارة مدرستها الثانوية عام 2007، فبنينا مكتبة جديدة ومختبرًا للعلوم وآخر للحاسوب، وكنت أمين الصندوق لبناء المئذنة، ونرمم المسجد اليوم، وقبلها وضعت دليلاً لهاتف الجلمة، وثانيًا لأفراحها يضم أسماء أهالي البلد شارعًا شارعًا. كما جمعت تاريخها في 400 سنة، وأدون كل شيء عنها: مساجدها، ومدارسها، ومعلميها، وطلبتها، ومجلسها المحلي، وشهداءها، وانتخاباتها.

 

صور

يمضى أبو حاتم وقتًا طويلاً كل يوم عبر موقع "فيس بوك" لينشر صوراً، ثم يبوبها في مجموعات خاصة تصل اليوم إلى 207 في كل منها 200 صورة. كما أطلق صفحة (جلمتنا) ويصفها بوكالة أنباء قريته، إضافة إلى صفحة (تفنى الجسوم وتبقى الرسوم) وفيها نبذة عن الأموات الذين يجمع صورهم حتى يتابع المغتربون أخبار بلدهم الأم، إضافة إلى صفحة (الجلمة بين الماضي والحاضر) وفيها تاريخ القرية في كتاب (الجلمة وأبو حاتم) الذي يشمل إحصاءات عن كل شيء: القضاة، والمعلمين، والمديرين، والأطباء، والمهندسين، والمحاسبين، والمحامين، وكل التخصصات الأخرى، وتعتبر مرجعًا للباحثين والطلاب الذين يأتون لزيارتي للسؤال عنها باستمرار بطلب من معلميهم.

وأبو حاتم أب لخمسة أبناء وبنتين، تخرّج منهم خمسة، وبقي أيوب طالب الهندسة في جامعة بيرزيت وحنين في صفها العاشر.

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018