"موعد مع البركان".. شهداء غزة وجرحاها يروون قصصهم في تونس

 

"لقد كان لظهور هذا الكتاب قصة: ففي عام 2010، طلب مني مكتب محاماة بريطاني اسمه "بندمانز" أن أجلب لهم وثائق تتعلق بقصص لضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي كان بدأ عام 2008، في إطار دفاعه عن مجموعة من الناشطين البريطانيين الذين حطموا معدات تخص شركة "إيدو بي. إم. بي" المتخصصة في الصناعات العسكرية، والتي تمد دولة الاحتلال بقطع غيار للعديد من المعدات الحربية لديها".

ويتابع مشير الفرا: "تواصلت مع مركز الضمير لحقوق الإنسان، الذي أمدني بالعديد من الشهادات الموثقة والمستندات التي تثبت جرائم الحرب الإسرائيلية. كان حجم الصدمة لدي رهيباً، كوني ناشطًا فلسطينيًّا منذ عقود، أدركتُ وقتها كم كنتُ جاهلاً بما حدث في غزة من مآس، فكانت المسألة تتطلب مني توثيقها بشكل أفضل كي لا يكون شهداؤنا وجرحانا مجرد أرقام في نشرات التلفاز". 

 

"موعد مع البركان".. في تونس!

أمام جمهوره في تونس وقف الفرا، عارضًا أمامهم، من خلال تقديم محتويات كتابه، ما جرى وما زال يجري في غزة من مآس وواقع مرير وضع تحته سكان القطاع، في ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ووصول نسب البطالة إلى أرقام هائلة، وانحدار في مستويات الصحة والتعليم والظروف البيئية بشكل غير مسبوق، لتتوالى وسط هذا كله الاعتدءات الإسرائيلية، وسط صمت العالم، استخدمت دولة الاحتلال خلال حروبها أعتى الأسلحة وأكثرها تطورًا ضمن منظومتها، وكأن غزة تمتلك جيشًا نظاميًّا.

يقول الفرا: "المشكلة الدائمة التي وجدتها في التعاطي مع قصص ضحايا العدوان الإسرائيلي هي أنه لا يتم منحها الاهتمام الذي تستحق، إذ يتم التعامل مع عدد محدود من القصص -في أحسن الأحوال- بشكل مؤقت وموسمي، لتطوى البقية في غياب النسيان. المطلوب منا جميعًا أن نقف هنا كي نقوم بواجبنا تجاه هؤلاء وأن يبقوا أحياء دومًا في وجداننا، وأن يتم تداول قصصهم أمام الجمهور العربي والغربي على السواء. لقد كان هذا هو الهدف الأساسي من الكتاب الذي أقدمه وأعرض محتواه أمامكم اليوم".

كتاب مشير، بنسختيه العربية والإنجليزية الذي صدر بالأصل في بريطانيا، بعنوان "غزة: موعد مع البركان"، بمثابة عالم كامل يأسرك في طيات صفحاته الثلاثمئة والثماني والعشرين. رحلة قل نظيرها في تاريخ وجغرافيا المكان. بمجرد أن تفتح صفحته، ستجد قطاع غزة، بكل تناقضاته ومآسيه، يمتد في آفاق مخيلتك على مد البصر: المخيمات الفلسطينية ببؤسها. تقودك الخطوات في ذلك العالم البعيد لتقودك لتريك مختلف الأماكن، من شمال القطاع المحاصر البائس إلى جنوبه، لتسمع وتشاهد بمخيلتك مختلف الحكايات المأساوية، التي تمس مختلف قطاعات الحياة، بدءًا من عام 1948 وانتهاء بعام 2014. 

رغم تركيز الكتاب، في معظم فصوله، بدرجة كبيرة على العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008-2009، إلا أنه به العديد من الأقسام التي أرخت لجرائم إسرائيلية أخرى، منها ما ارتبط بذاكرة الكاتب، الذي استمع إلى العديد من الشهادات حول مجزرة خان يونس عام 1956 التي راح ضحيتها العديد من أقاربهم وجيرانهم وأصدقاء عائلاتهم. احتلال مدينته من جديد بعدها بأحد عشر عامًا بعد مقاومة شرسة، ونفاد الذخيرة من المدافعين عنها، وخذلان الدول العربية لها، ومن ثم مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات ومعاناة السكان في التنقل في ظل الحواجز الإسرائيلية إلى ما قبل إعادة الانتشار خارج قطاع غزة عام 2005، كي لا تنسى الأجيال القادمة ما ارتكب ضد أسلافها من جرائم متلاحقة لم تتوقف. 

الكاتب مشير الفرا لم يستخدم أسلوبًا معقدًا في رواية ما لديه، بل قدمها بأسلوب بسيط جذاب، استخدم فيه العديد من المصطلحات الفلسطينية الصرفة على غرار "بيارة" (أي مزرعة)، و"زنانة" (طائرة استطلاع دون طيار)، وغيرها من المصطلحات الأخرى، وحافظ على سرد الحكاية من ألسنة الضحايا دونما تنميق أو إطناب من قبله. 

 

"تذكرة دخول" إلى "عالم غزة"

ستشاهد في طيات هذا الكتاب، استهداف مجموعة من المدنيين دون أي ذنب، في شمال قطاع غزة، خلال العدوان الإسرائيلي عليها، عام 2009. قبلها بشهور، استهدفت طائرة دون طيار تابعة للاحتلال أربعة أطفال بين التاسعة والثانية عشرة من أعمارهم يلعبون كرة القدم، خلال ما يعرف بـ "محرقة جباليا" (تكرر المشهد لاحقاً وبدقة مذهلة على شاطئ بحر غزة خلال عدوان عام 2014 مع أطفال عائلة بكر الأربعة). 

سترى، عبر صفحات الكتاب أيضًا، المسعفين الذين استشهدوا خلال أداء واجبهم. سترى الأم التي خاطت جروح ولدها ابن الرابعة عشرة، بالإبرة والخيط العاديين، محاولة إنقاذ حياته، في ظل منع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة التي كانوا محاصرين فيها خارج منزلهم، ليموت ابنها في النهاية، وعندما عادت إلى بيتها، وجدت أن أحد الجنود الإسرائيليين رسم نجمة داوود على أحد جدران المنزل وكتب تحتها باللغة الإنجليزية عبارة: "اقتلوا العرب"! ستسمع شهادة طفلين ناما أربعة أيام بجوار جثث أقاربهم في بيت واحد، ورأوهم يلقون مصيرهم واحدًا تلو الآخر متأثرين بجروحهم، كان من بينهم شقيقتهم وجدتهم وأعمامهم.

سترى جدة فقدت ذراعها اليمنى وتحطم فكها، خلال محاولتها إنقاذ أحفادها من خطر الموت بقذيفة إسرائيلية عام 2009، ولم تعد قادرة على تناول الطعام، أو أن تمارس الخياطة التي كانت من خلالها تنفق على عائلتها بحكم أنها المعيل الوحيد لها. هنالك أيضًا، ستجد الأب الذي يودع ثلاثة من أطفاله، ماتوا في قصف إسرائيلي لمنزل مجاور لهم. في المناطق الحدودية، جنوب قطاع غزة، ستسمع قصة شابين يموتان في أحضان والدهما المصاب وقتها، متأثرين بإصابتهما، أثناء خروجهما بسيارتهم لجلب الحاجيات، خلال هدنة أقرها الاحتلال أثناء عدوان عام 2009، فيما منعت قواته سيارات الإسعاف من نقلهم للمستشفى، وغيرها من الحكايات المريعة الأخرى. 

عندما تنتهي من هذا الكتاب، ستجد أنه "وثيقة مهمة"، فهو توثيق لواحد من أهم الأحداث الفلسطينية، ويشكل تغييرًا شاملاً في معادلة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، حين تم استهداف قطاع غزة وكأنه دولة عظمى (وأعني بذلك العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009)، لتكرر المأساة ذاتها مرتين عام 2012 و2014، وبشكل شديد البشاعة خلال العدوان الأخير الذي خصص له الكاتب فصلاً كاملاً. ووسط هذا كله، يأتي كتاب مشير الفرا كي يذكر الجميع أن هؤلاء الضحايا لم تنصفهم العدالة حتى الآن، وما زال قتلتهم من مجرمي الحرب الإسرائيليين طلقاء دون محاكمة.

يواصل الفرا: "عرضتُ كتابي في عشرات العروض ببريطانيا ودول أخرى، وقد كان الجمهور الغربي مصدومًا للغاية بسبب العديد من الحقائق والتفاصيل التي تجاهلها الإعلام حول معاناة غزة طيلة كل هذه السنوات، وبكى كثير منهم أمام مآسي ضحايانا التي تم التعامل مع الأغلبية العظمى منهم وكأنهم أرقام وليسوا بشرًا دمرت حياتهم وأحلامهم وآمالهم، وأرجو أن يبقوا أحياء في ذاكرة الناس ووجدانهم من خلال هذا الكتاب".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018