منى شتية.. مهندسة الجمال في "زركشات"

 


رغم أنها تحمل شهادة في الهندسة من جامعة بيرزيت، إلا أنها اكتفت بالتدريب والعمل سنة في أحد المكاتب الهندسية، إذ لم تجد نفسها قادرة على الجمع بين الفن الذي كان الدافع الأساسي وراء دراسة هندسة العمارة، ومعايير السوق، التي تحتفي أكثر بالربح.

"لم أدرس خمس سنوات لأكون في آخر المطاف أداة رسم (Drafter) في مكتب هندسي أنفذ الأفكار التي تُطلب مني، فمجالنا إبداعي"، هكذا قالت منى، ثم حسمت أمرها: "سأمضي قدماً في مشروعي الخاص، وجزء منه بيئي".

ويرتبط مشروع منى الذي منحته اسم "زركشات" بالهندسة المعمارية، وهو الذي قادها إلى كلية الهندسة أصلاً، فحين كانت في المدرسة، لم تكن تكف عن الرسم على كل ما تجده أمامها، العمارة جذبتها كتخصص جامعي لما فيها من أشكال وزخارف ونقوش وطرق بناء.

 

العمارة فن

الرسم يتغذى لدى منى بالقراءة والمطالعة، إذ تمر بشكل دائم على الحضارات والحقب التاريخية المتعاقبة وتتعرف على أبرز معالمها، وتقارن بين الخصائص الفنية لكل منها، لتفتح آفاق خيالها على رسومات جديدة.

وتضيف: "لا أقوم بالاقتباس من الهندسة المعمارية والنماذج العالمية، بل أستوحي بعض الأفكار من الآثار المعمارية العالمية من خلال المطالعة، العمارة فن، إلا أننا نقع في خطأ شائع حين نربط العمارة بالهندسة باعتباره نظاماً إنشائيا. فعلياً أفضل الجانب الفني في العمارة على الجانب الهندسي، لذلك في مشروعي تناولت الجانب الفني وبذلك أكون قد عدت إلى أصل العمارة. أميل للرأي القائل إنه يمكن الفصل بين العمارة والهندسة، فالأول نوع من الفنون والآخر عملي ورقمي بحت، ومن وجهة نظري فإن المعمار هو جانب فني وجمالي أكثر منه علميا وصلبا ومعقدا".

 

فكرة لطيفة

عملت شتية على تطوير فكرة لطيفة، فقد أحاطتها ظروف مهنية كانت نقطة الانطلاق نحو  إنهاء علاقتها بالهندسة المعمارية والتوجه إلى "زركشات".

والـ"زركشات" هي رسوم تنقش على قطع ورقية أو زجاجية أو خشبية، بالألوان والأشكال الفنية والزخرفية، وقد بدأ هذا المشروع حين كانت منى ترسم على أشياء تخصها، كقطع ملابس قديمة ومقتنيات بالية تعمل على إعادة تدويرها، وكبر المشروع فأصبحت تنتج "زركشات" أكثر، ولم يعد يقتصر على إعادة تدوير المواد، بل تخطى ذلك ليصل إلى المواد الموجودة في الطبيعة من محيطها، حتى الحجارة الموجودة في الأرض أخذت ترسم عليها شتية لارتباطها التاريخي بالشعب الفلسطيني.

"كل ما  يمكن أن يوحي لي بفكرة جديدة أصبحت أستخدمه للزركشة عليه. أنا أرسم وأحب الرسم على أشياء من محيطي، كنت أرسم بادئ الأمر على قطع ورقية ثم أنشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت الناس التي يعجبها عملي تطلب مني شراء قطع –مع أني كنت أرفض فكرة البيع في الماضي-؛ إلا أنه كان يتوجب على الانتقال إلى مرحلة جديدة من المشروع والتوسع به".

شكلت أول قطعة من زركشات قامت شتية ببيعها أزمة أخرى في حياتها، لم يكن بمقدورها تقدير سعر فنها، فهو بالأساس لا يقوم على رأس مال كبير، هي فقط أفكار إبداعية، "حينها تدخل أصدقاء لي وقدروا سعر القطعة التي قمت بتنفيذها، وقرروا أن أتقاضى مقابلها مبلغ 200 شيقل، وكانت عبارة عن رسم على زجاجة فارغة!".

تركز أيضاً في بعض الزركشات والزخارف التي تستمدها من الهند وكتابات باللغة العربية؛ على مخاطبة الروح الإنسانية، فهي التي تتذوق الفن وتتلمسه بعد أن ينفذ إليها من خلال البصر، وهذا يساعد الناس في التعبير والتغيير، وفقا لمنى.

 

إنتاج قطع أثاث

تحلم أن تدخل بيوت الناس بشكل أكبر، ولديها طموح بأن تمتلك خط إنتاج قطع أثاث، وهذا جزء من فن العمارة بالأساس. "أتخيل أنه في الفترة المقبلة سيتطور المشروع ليشمل ذلك، ولكن هذا الأمر مكلف وأنا كفتاة في مقتبل العمر وفي أول خطواتها العملية ينقصني رأس المال الكافي للمغامرة بمثل هذا المشروع، رأس مالي هو القطع التي أنتجها، وما أحصل عليه أقوم من خلاله بتطوير المشروع، وكذلك تنقصني الخبرة في سوق العمل، حيث إن هناك صعوبة الآن في التعرف على من يمكن أن يتبنى هذا المشروع ويقوم بتطويره وإنتاجه بشكل تجاري، أنا ما زلت في مرحلة الاستكشاف".

في شهر آب المقبل، يطفئ "زركشات" عامه الأول، وما زال المشروع بالنسبة لصاحبته منى لم يقف على قدميه بعد، وهذا ما دفعها للعمل منسقة مشاريع في مؤسسة "فلسطينيات".

"لا شيء ثابت في هذا العمل، أول شهر ربحت 2000 شيقل، وفي تلك اللحظة صدمت، خاصة أنني كونت هذه "الثروة" من لا شيء، لم يكن لدي رأس مال ولا نفقات تشغيلية ولا ما إلى ذلك من الأمور المالية، ولكن هذا لا يمكن اعتباره دخلاً ثابتاً، ربما يخبو ويعلو إقبال الناس على الفنون بين فترة وأخرى".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018