عبد اللطيف رضوان: المُدير المدرسة!

1/4

 

يعمل عبد اللطيف محمد رضوان بصمت منذ 9 سنوات في إدارة فريدة لمدرسة ذكور حجة الثانوية المختلطة بمحافظة قلقيلية، واستطاع خريج الأحياء وابن الثانية والأربعين تأسيس نموذج خاص قفز بالمدرسة لتكون الأعلى نجاحًا في الوطن، فيما تمكن من ضبط طلبته وحافظ على هيبة المربين، وحقق مساعدة المجتمع المحلي في تطوير المؤسسة التعليمية دون التدخل في شؤونها.

يقول: "عملت في ثلاث خطوات متزامنة لتأسيس إدارة فعّالة: الانضباط، والتحصيل العلمي، والبيئة المدرسية، وهي أركان مُكمّل بعضها لبعض، ولا يمكن لواحد منها تحقيق مردود طيب بمفرده، وبحمد الله نجحت في الانتقال بالمدرسة عاليًا ليس فقط في نتائج الطلبة الباهر وتطوير المرافق، وإنما في العلاقة مع المعلمين والأهالي والمجتمع المحلي".

ووفق رضوان المُتنقل منذ تعيينه عام 1997  بين مدارس: السلام والسعدية (قلقيلية) وحبلة وكفر ثلث، فإن أبرز العقبات تأتي من تدخل المجتمع في شؤون المدرسة، ولذا يجب عدم قبول  مساعدات مشروطة من الأهالي لتطوير مرافق المدرسة وتحسين بيئتها؛ لأن الموافقة على ذلك تعني فتح الباب أمام تدمير التعليم.

 

نموذج

يتابع: "لا أُفرّق بين الطلبة، ولا أعرف المحاباة، وأمشي بطريقة واضحة، ولا أخشى أي تهديد مثل الذي واجهني في بداية مشواري، وفي كل يوم أكون أول الواصلين إلى المدرسة (عند السادسة والنصف)، وآخر المغادرين (حوالي الثالثة عصرًا)، وأداوم في المساء خلال أوقات الحاجة (حتى العاشرة والنصف أحيانًا)، ولا أجري أي متابعة للقضايا المالية وشؤون الكتب أثناء الدوام الرسمي، بل أتفرّغ فيه لجولات داخل المدرسة وساحاتها، والاندماج في طابور الصباح، وأشرف على دورات المياه ونظافة المدرسة، وأهتم كثيرًا بالانضباط، وكل هذا أدى إلى ارتفاع التحصيل، فتسير الحصص المقررة بهدوء، ويحترم الطلبة المعلمين، ويبدع المعلمون في العطاء، وينعكس كل هذا على الأداء".

واستنادًا إلى المدير الشاب، فإنه أغلق نافذة تدخل الأهالي والمجتمع في شؤون المدرسة، ويلتزم المعلمون بأقصى العطاء، وينضبط الطلبة بشكل لافت، لدرجة أنهم  يلتزمون بالمواعيد والزي، وقصة الشعر والواجبات، ولا يتغيبون إلا بطلب من ولي الأمر وقت الشدائد. وإذا ما خالف طالب التعليمات، فإنه يعود بمفرده قبل وصول بوابة المدرسة لتصويب أوضاعه ثم يرجع إلى صفه بهيئة جديدة.

 

تفوّق

يفيد رضوان:  كان طلبة هذا العام العشرة الأوائل في محافظة قلقيلية، ونجح 48 في الفرع العلمي من أصل 50 (اثنان التحقا متأخرا بالمدرسة، ورسبا في مادة أو اثنتين)، وحقق 30 منهم نسبة 90% فأعلى. وفي "التجاري" كان الطلبة 21، رسب 4 في إكمال (سيجتازونه على الأرجح في الإعادة)، وفي العام الماضي نالت المدرسة المركز الأول في الوطن بالطالب أسامة خليف (99,7% في العلمي) الذي يدرس اليوم الفيزياء ببيرزيت.

واللافت في مدرسة حجة القرية الصغيرة الواقعة في منتصف المسافة بين نابلس وقلقيلية (على بعد نحو 18 كم منهما) أنها صارت تستقطب طلبة من قلقليلة وبلدات وقرى: النبي إلياس، وكفر لاقف، وعزون، وجينصافوط، وإماتين، وجيت، وكفر قدوم، وباقة الحطب، والفندق، ومن داخل فلسطين المحتلة 1948.

وحسب المدير المولود في أيار 1974 بقرية النبي إلياس، فإن "حجة الثانوية" كانت العام الماضي تضم طلبة من الصف الخامس الأساسي، لكنها هذا العام صارت مخصصة للصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر، فيما أُقفل الفرع الأدبي في "التوجيهي" لميول الطلبة نحو "العلمي" و"التجاري". فيما تفيض العيون بالدموع حال خسر الطلبة نصف علامة في امتحاناتهم.

 

تقاليد

وتضم المدرسة 17 معلماً (6 منهم يكملون دراستهم العليا و4 يحملون الماجستير) فيما يحافظ مديرها على تقاليد خاصة، فامتحانات "التوجيهي" اليومية والفصلية لا  تعقد إلا في السابعة صباحًا؛ لتوفير وقت الحصص العادية، ولعدم تشتيت الطلبة، وتوفر بهذا الأسلوب 100 حصة لكل طالب في العام، ويحظر على الطلبة اللجوء إلى الدروس الخصوصية، فيما تضع خططاً علاجية لمن يعانون مشاكل في المواد العلمية، وتعقد امتحانات تشخيصية كل عام لمعرفة نقاط قوة الطلبة وتقصيرهم، ويحرص المدير على تقييم النتائج ومراجعتها وتسليمها وإعلان العلامة على الملأ، ويشجع البيئة التنافسية بين القادمين من بلدات مختلفة، مثلما يتابع مع عائلة كل منهم مشاكله التربوية، ويرهن سيارته وهاتفه النقّال لمتابعة شؤون طلبته، ويمنح نهاره وجزءاً من ليله لشؤون المدرسة، ويُقلص الحصة السابعة للطالبات كي يعدن براحتهن لبيوتهن.

يقول: "أعالج كل قضية بمفردها، وأحل مشاكل التقصير، والفوضى، وعدم احترام المعلمين، وأمنع التدخين بين الطلبة، والتأخير في مدرستنا غير موجود، ونضع خططًا علاجية للمواد التي يستصعبها البعض، واحتجت 3 سنوات لبناء النموذج الخاص بمدرستنا، ولم أهمل الجانب النفسي، فطورت مرافق المدرسة وأبنتيها، وحرصت على خلق بيئة نظيفة، وأشرك الأهالي بحل مشاكل أولادهم، ولم استمع إلى التهديدات التي أطلقها مستفيدون من الفوضى، ونقلت قبل  سنوات طالبين كان أحدهما يدخن داخل المدرسة، وآخر يحضر في حقيبته أسلحة بيضاء، بعد لحظات من ضبطهما".

 

خطط

وينتهج رضوان، الذي حصل قبل 3 سنوات على لقب "المدير المتميز" من وزارة التربية أسلوب منح طلبته فرصة لتحسين النتائج أول العام الدراسي، وبعدها يعقد للأهالي لقاء لتقييم التحصيل، ولمساعدته في علاج نقاط الضعف. وينطلق من أن الثقة بالذات هي التي تفرض الاحترام للمدير والمعلم.

ويزيد: "كانت خطتي الخمسية (من 5 سنوات) الأولى الوصول إلى الانضباط، والثانية تمكين الانضباط والانتقال إلى التحصيل، والاهتمام بالبيئة المدرسية، أما الثالثة فجذب الطلبة وتحويل المدرسة إلى وجهة مركزية في المحافظة؛ لخلق بيئة تنافسية بين عدد أكبر".

وتأسست المدرسة عام 1929، فيما لم يحالف النجاح سبعة ممن تعاقبوا على إدارتها في حل مشاكلها، والوصول إلى نتائج باهرة كما هي اليوم.

ينهي رضوان الأب لطفلين (يمنى 11 سنة) و( مصطفى 7 أشهر):  "أجمل لحظة في مسيرتي حين التقيت بمعلمي الذي  أحببته عنان عبد الله، الذي درسني الإنجليزية في الماضي، وصار اليوم نائبي. أما أقسى ما واجهته فامتحان عملي قبل 3 سنوات، حين نقل أحد المسؤولين الكبار  ولديه (الأول كان راسبًا في التوجيهي بمدرسة ثانية، والثاني ضعيفاً) إلى مدرستنا من قلقليلة، فبقيت على أعصابي طوال العام، وقد كسبنا الرهان ونجح الاثنان (78 و69)".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018