"صلحة" الخواجات والأغاوات.. وغزة خارج الحسابات

 

إسرائيل وتركيا سمن على عسل من جديد. الطرفان توصلا إلى اتفاق "مصالحة" وتطبيع علاقات ووقعا اتفاقاً حول ذلك.

ورغم محاولة الانقلاب الفاشلة على نظام الحكم في تركيا مؤخرًا، والإرباك الذي حصل في أنقرة، إلا أن ذلك لن يؤثر على "الصلحة" بين الطرفين، والتشويش الداخلي في تركيا لن تكون له تداعيات على العلاقات الخارجية لتركيا، ولن تتجاوز شواطئ المتوسط.

وأكدت أنقرة مراراً كلما فُتحت نافذة على اجتماعات ثنائية تعقد مع تل أبيب، أنها لن تتنازل عن شروطها الثلاثة لإعادة المياه إلى مجاريها: أولاً الاعتذار عن هجوم جيش الاحتلال الإسرائيلي على أسطول الحرية في البحر المتوسط عام 2010، وتعويض عائلات الضحايا العشرة الذين سقطوا في ذلك الاعتداء، إضافة إلى فك الحصار الذي تفرضه إسرائيل منذ تسع سنوات على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

الاعتذار صدر في آذار عام 2013، قدمه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مكالمة هاتفية، والتعويضات أعلنت إسرائيل مسبقاً أنها لا تعارض دفعها لذوي ضحايا "أسطول الحرية"، على أن توضع أموال في إطار صندوق "خيري" يقام لهذا الغرض.

ومن روما، أعلن نتنياهو أن الاتفاق مع تركيا يحمل امتيازات استراتيجية لأمن واقتصاد الدولة العبرية، وسيعود بالنفع على الاستقرار الإقليمي ككل، باعتباره وقع مع دولة عظيمة في المنطقة، يُضر قطع العلاقات معها بالمصالح الحيوية، ويحول دون التعاون في مجالات وأمور كثيرة.

المهم بالنسبة له هو أن اتفاق تطبيع العلاقات سيحمي جنود وقادة جيش الاحتلال الإسرائيلي من دعاوى قضائية جنائية ومدنية تصدر بحقهم من تركيا، في الوقت الحالي والمستقبل، كما سيضمن الاتفاق تمرير قانون في البرلمان التركي يلغي الإجراءات القانونية بحق الجنود والضباط المتورطين في الهجوم على أسطول الحرية، إلى جانب بند يلزم تركيا بمنع أي نشاط عسكري لحركة حماس ضد إسرائيل ينفذ من خلالها، بما في ذلك جمع الأموال لهذه الأغراض.

أما الأهم، فإن الاتفاق لن يلبي شرط تركيا الثالث بفك الحصار عن قطاع غزة، حيث سيبقى "الطوق" العسكري مفروضاً ومحكماً على حاله، انطلاقاً من كونها "مصلحة أمنية" عليا بالنسبة لإسرائيل لا تقبل المساومة، وإلا سيكون المقابل "تعزيز القدرات العسكرية لحركة حماس".

كما أن الاتفاق يسمح بالتعامل مع قطاع غزة باعتباره "حالة إنسانية" إلا إذا تقاطع مع المصالح الأمنية لإسرائيل، التي لها "مصلحة كبيرة" في تحسين خدمات المياه والكهرباء في قطاع غزة عبر النرويج أو تركيا أو دول عربية في إشارة إلى قطر، كما قال نتنياهو.

وسام عفيفة، رئيس تحرير صحيفة الرسالة التابعة لحركة حماس، اعتبر أنه تم التوصل بالفعل لصيغة من شأنها إن تخفف الحصار عن قطاع غزة، ورغم أن الصيغة كانت دون الطموح، إلا أن غالبية الفلسطينيين في قطاع غزة يعتقدون أنه يتوجب شكر الأتراك شعبا وقيادة على التعاطف وبذل المتاح لفك الحصار.

حركة حماس أصدرت بياناً بعد الإعلان الرسمي عن الاتفاق بين أنقرة وتل أبيب، أثنت فيه على موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والجهود التركية في تخفيف الحصار المفروض على غزة.

وعبرت الحركة عن أملها في "مواصلة الدور التركي في إنهاء حصار غزة بشكل كامل ودعم القضية الفلسطينية".

واعتبر الكاتب حيدر عيد، أن حقيقة ما وافقت تركيا على القيام به هو "المشاركة في تحسين شروط الاضطهاد الصهيوني لسكان قطاع غزة" والشعب الفلسطيني بشكل عام، وأن تكون صاحبة الامتياز في نقل المساعدات الإنسانية التي يحتاجها أهالي غزة عبر ميناء "أسدود" الإسرائيلي.

وأضاف: "هكذا سيبقى قطاع غزة تحت حصار ستدّعي تركيا وداعموها أنه قد تم تخفيفه بشكل كبير، إن لم يدّعوا رفعه بالكامل".

محمد خيري أوغلو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أنقرة، أشار لـ "الحال" إلى أن الشروط التي تعنتت إزاءها تركيا لم تتحقق وخاصة رفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، مؤكداً أن ما يقال حول تفاهمات بشأن تجميل شكل الحصار ما هو إلا ذر للرماد في العيون، حتى تضمن تل أبيب ألا تقام دعاوى ضد الجنود الإسرائيليين قتلة ضحايا أسطول الحرية.

وقال: "الحكومة التركية تريد أن تجعل غزة سجناً حديثاً معمراً وجميلا، ولكنها نسيت أنه سيبقى سجناً، هذه الاتفاقية تضفي الشرعية على الحصار الإسرائيلي".

وبموجب الاتفاق الموقع بين أنقرة وتل أبيب لتطبيع العلاقات؛ ستشرف تركيا على بناء محطة جديدة للطاقة في القطاع، وأخرى لتحلية مياه البحر، ومستشفى حديث ومدارس، بالإضافة إلى البدء بتسيير قوافل المساعدات إلى غزة من خلال إسرائيل بعد أسبوع من التوقيع الرسمي على هذه التفاهمات.

نتنياهو قال إن "تحسين وضع المياه والكهرباء في غزّة مصلحة إسرائيليّة. جفاف غزّة سيضر بالمياه الجوفيّة الإسرائيليّة وسيلوثها، وحينما يعاني القطاع من نقص في الكهرباء، تنشأ مشاكل صرف صحّي وتنتشر أوبئة على طول الحدود لا يمكن وقفها".

التعهد التركي بعدم السماح لأي جهة كانت باستخدام أراضيها كمنصة لانطلاق الهجمات ضد إسرائيل؛ لا جديد فيه حسب وسام عفيفة، إذ لم يذكر التاريخ أن أنقرة كانت تقدم الدعم العسكري لحركة حماس، فدورها كان لا يتعدى الإسناد والدعم الدبلوماسي والسياسي، وإذا تعدى ذلك يكون في إطار توفير ملجأ ومساحة حراك لبعض قيادات حركة حماس خاصة بعد خروجهم من سوريا.

"بالأساس لم يكن هناك أي نشاط له علاقة بالبعد العسكري لحماس انطلاقاً من تركيا. نحن نتحدث عن دولة ليست من دول الطوق، وبالتأكيد هذا لا يعني أن حماس ستقوم بضرب الصواريخ من تركيا، يمكن أن يكون هذا البند في الاتفاق موجها ضد شخص القيادي في حماس صالح العاروري، الذي تتهمه إسرائيل بإعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة في الخليل قبل عامين" يقول عفيفة.

إلا أن البند الذي يمنع حماس من القيام بعمليات ضد إسرائيل انطلاقاً من تركيا؛ يمنح الحركة في ذات الوقت إمكانية افتتاح مكتب تمثيليّ للحركة في أنقرة، تدير من خلاله نظام العلاقات السياسية مع المنظمات والدول الأخرى، ومن ذلك جمع التبرعات، كما يروّج في إسرائيل.

كما أن حماس تنفي أن يكون اتفاق المصالحة بين إسرائيل وتركيا بمثابة إعلان قطيعة للحركة، مستدلة باللقاء الذي جمع في اسطنبول يوم 24 حزيران الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوفد من حماس يقودهم رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل.

وتعتقد مصادر مقربة من حماس أن المصالحة التركية الإسرائيلية قد تفتح أبواباً جديدة أمام الحركة، على اعتبار أن صيغة تخفيف الحصار التي وردت في نص اتفاق تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تساهم في تفكيك أزمة داخلية تواجهها حركة حماس منذ أن فرض الحصار على القطاع قبل تسع سنوات، ولأن حماس خسرت بعد خروجها من سوريا أكثر وفقدت قاعدة مهمة جداً على عكس ما حدث مع تركيا التي لم تكن تشكل أي قاعدة للحركة، كما أن حماس ستربح بعد اتفاق المصالحة بين أنقرة وتل أبيب لاعباً إقليميا جديداً يدير شؤون العلاقات غير المباشرة بين الحركة وإسرائيل، إذ ستصبح تركيا وسيطاً جديداً بين حماس وإسرائيل في ملفات عديدة مثل التهدئة وتبادل الأسرى.

نتنياهو قال في مؤتمر صحفي إن تركيا قد تلعب دوراً في ملف استعادة جثث قتلى جيش الاحتلال الذين سقطوا خلال العدوان الأخير على قطاع غزة المحتجزة منذ صيف العام 2014 لدى حماس، فيما أوعز رجب طيب أردوغان للوكالات المعنية بتقديم أي مساعدة ممكنة من أجل استعادة "الأسرى والمفقودين بين الطرفين لأسباب إنسانية".

الاتفاقية في جانبها الآخر اقتصادي، فالأتراك والإسرائيليون اتفقوا على إطلاق مباحثات رسمية حول مد خط أنابيب للغاز، إسرائيل ستبيع الغاز لتركيا والأخيرة تصدره عبر أراضيها للأسواق الأوروبية.

هذا الجانب من الاتفاقية اعتبره الكاتب حيدر عيد من أخطر البنود التطبيعية، لأنه ينسف جهود حركات المقاطعة التي تنشط عالمياً لمحاصرة إسرائيل.

وأضاف: "اتفاق الطرفين على التباحث بشأن أنابيب للغاز تعدٍ صارخ على أنبل ظاهرة مقاومة أطلقها الشعب الفلسطيني، خاصة بعد التقبل الواسع لأفكار حركة مقاطعة إسرائيل ووقف الاستثمار فيها وفرض العقوبات عليها".

وسام عفيفة أشار في ذات السياق إلى أن الموقف المبدئي يؤكد على أن العلاقات بين الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل لا تصب في صالح الشعب الفلسطيني استراتيجيًّا.

وأضاف: "نعتقد أنه على العكس يجب أن تكون هناك مواقف أكثر عزلة لإسرائيل، ولكن بالنهاية هذه السياسة تبنى على المصالح المشتركة للدول. بين أنقرة وتل أبيب علاقات ضاربة في أعماق التاريخ تعود إلى العام 1949".

ولم يستبعد محمد خيري أوغلو أن تؤدي المطامع والأرباح المرجوة من تسويق غاز إسرائيل في أوروبا إلى انشقاقات داخل الإطار السياسي التركي، وحتى داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، لأن الشعب التركي يقف منذ الأزل إلى جانب القضية الفلسطينية، ويجب ألا يغيب عن ذهن رجب طيب أردوغان أنه وصل إلى رأس السلطة بوعود أهمها دعم القضية الفلسطينية".

التطورات الأخيرة تؤشر حسب أوغلو إلى أن تركيا تخلت عن دورها كلاعب رئيسي في المنطقة، وأصبحت تابعاً لسياسات الدول العظمى ومراكز القوى العالمية.

وقال: "يبدو أن هناك مناورة إعلامية متفقا عليها بين الطرفين. تركيا وبعد أن غرقت في مستنقع سياستها الخارجية بفعل التدخلات الكثيرة في دول الجوار؛ راحت تبحث عن صديق استراتيجي جديد حتى لو كان ظالماً ويداه ملطختان بدم تركي وليس إسلاميًّا فقط. ربما أردوغان بسبب العزلة الكاملة في المنطقة أراد أن يستمد العون من اللوبيات الصهيونية في أمريكا".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018