سجن بسبب الفيسبوك

 

 

التمرين الأول على الكتابة الحرة

جورين طالبة صغيرة في دائرة الاعلام في جامعة بيرزيت، تعرضت لتجربة الاسر في سن مبكرة في نهاية العام 2015، لسبب ترفضه كل مفاهيم الحريات في العقل وفي العالم، اعتقلها الاحتلال في نهاية العام الماضي وحكم عليها بالسجن الاداري ثلاثة اشهر لانها تكتب رأيها في الكفاح ضد الاحتلال على صفحتها في فيسبوك.

أي صدمة هذه التي تلقتها جورين التي تتخصص في الصحافة، حقل حرية الرأي والتعبير، لتجد في عامها الدراسي الاول سجنا وسجانا اسرائيليين يمنعانها من ممارسة روح التخصص الذي تريده لمستقبلها. 

ربما تكون القصة عادية في بلد يسجنون فيه الفتيات والشبان والبالغين يوميا، لكن حتما ان ثلاثة اشهر سجن وتعذيب وزنازين وعنابر و"بوسطات" ستترك شيئا ما على مستقبل هذه البنت التي ستكبر يوما وتصير صحفية وكاتبة بشكل ما تختلف عن كل زملائها في فهم المعنى الحقيقي لحرية الرأي والتعبير.

أقدم كتابتها الاولى هنا في الحال، وحلمي ان تمر السنوات بسرعة لنراها صحفية ذات لون اخر. 

وسأفهم كل الموضوع على انه تمرين غير صفي على الكتابة الحرة. 

صالح مشارقة 

 

الثامن والعشرون من أكتوبر، الثانية فجراً.. صمت مهولٌ يتسرّب عبر ظلامٍ حالكٍ وموحشٍ في قريتي: شقبا، تضاءل الصمت تحت ركلات الجنود لباب منزلنا، فاستيقظت أمي وهي تصرخ  بأخي الصغير ظناً منها أنه ضرب الحجارة أو خبأ شيئاً بالبيت يدفع الجيش للقدوم إلى منزلنا.

فتحت أمي باب المنزل ويداها ترتجفان من شدة القلق والرعب، دخلوا الى المنزل ونظروا إلى أختي وسألوا أبي العجوز المتكئ على عكازته الخشبية المهترئة. من هذه؟ فأجابهم: ابنتي صابرين، وهو ينظر بقلق وريب، وأنا لم أزل في غرفتي أسمع ما يحدث من حولي متخدرة في مكاني من شدة الصدمة. فجأة دق بخاصرتي شيء قلبني رأساً على عقب، كانت بندقية مجندة سمراء، واصبحت غرفتي الصغيرة كالثكنة العسكرية مليئة بجنودٍ يعبثون بأغراضي وكتبي واستولوا على هاتفي، صرخت المجندة وهي تشد شعري وتفتشني، نادت صابرين لتساعدني بارتداء الملابس التي كنت قد حضرتها للذهاب بها إلى الجامعة في الصباح الباكر ولم أكن أعلم ان تلك الملابس ستكون شاهدة  على هذه الليلة المشؤومة مجهولة المصير.

لم يُغشّوا عينيّ بعد، فتلفّتُ يميناً ويساراً ولا جدوى من اليمين ولا اليسار فقد كنت محاصرة بالجنود من كل جانب، وألقيتُ بنظري من بينهم إلى أبي وصرخت: "يابا تخليهمش يوخذوني مشان الله". خانت ابي عكّازته فخارت قواه وسقطا معاً.. كيف يا الله تسقط عكّازة أبي ولا تسقط بنادقهم المصوّبة على رأسي!. تنظر الي امي في اللحظات الاخيرة قائلة "تخافيش يما يا جوجو".

غطوا عينيّ بقطعة قماشٍ سوداء وكبّلوا يديّ بالقيود حتى اختنقتا حدّ النزف.. اقتادوني وأنا لا أرى إلا سواداً كأني في سرنمةٍ لا أدري متى أصحو منها فانتفضتُ عند ارتطام رأسي بحائط اسمنتيّ، مسكت المجنّدة مؤخرة رأسي وضربته بالجدار حتى نزفتُ من الدم والدمع ما يكفي لأعرف ما معنى أن يعيش أحدنا تحت الاحتلال.

ساقوني في الشوارع عشر دقائق حتى دفعتني المجنّدة إلى أرضية حديدية أدركتُ فيما بعد أنها أرضية الدورية العسكرية.

لا ساعة تدق لتخبرني كم لبثتُ، ولا شيء أرى لأعرف أين أنا، فلا المكان واضح ولا الزمان، الحقيقة الوحيدة هي السجّان!.. وكل ما حولي أسود؛ الرؤية سوداء، الصمت الصخريّ أسود وثقيل، اللغة التي لا أعرفها، سوداء.. مكثتُ حوالي يومين في الدورية العسكرية بدون أكل او شرب، حتى وصلتُ إلى أحد مكاتبهم ثم تعرّضتُ لافتراس الأسئلة الحبريةِ على مجموعة من الأوراق.

- هل تأخذين أدوية؟

- لا.

- هل معكِ أمراض؟

- لا.

- هل تعرّضتِ للضرب؟

وبهدوء مشوبٍ بتخوّفٍ ما أجبتُ "لا". وقّعتُ على الورقة وجدتُ يد المجنّدة تنتظر مني أن أسلمها لها، ففعلتُ. وباليد الأخرى صفعتني، وما لبثوا أن انهالوا عليّ بالضرب والشتائم، ألقوني على الأرض المبللة، ارتطم وجهي بماء بالأرض وامتزجت دموعي بمائها، داسوا على رأسي، صرخوا وشتموا. وجهي يلامس الأرض كأنه يترك بصمته أو ينسلخ عني ويلتصق بالأرض. انتزع قدمه وركل رأسي حتى أصبح ككرة تتقاذفها ركلاتهم وذاك الوجع المتعدد الأوجه يتناهش عظامي وصدري.

***

ساقوني كما تُساق الماشية إلى الزنزانة، لم أنم ليومين. وَهُنَ جسدي وارتخت مفاصلي، فأجد نفسي الآن في زنزانة لا كرسي فيها ولا مكان للنوم، كل ما فيها قليل من العفن في زاويتها قد يكون حمّاماً، ولم أستطع أن أزدري المكان من شدّة التعب فوضعتُ حذائي تحت رأسي ونمت على الارض.

في الزنزانة أيضاً لا عقارب ساعة تدقّ. وللزنزانة طعم الغربة الموحشة كأن كومة من الحجارة المثخنة بالحشرات والقذارات تعتصر صدري، حتى وأنا نائمة. وفجأة يُصفع باب الزنزانة فاستيقظتُ لأجد باب الزنزانة قد فُتح وأمامه مجنّدة جاءت لتصحبني إلى مكتب التحقيق.

لا أعرفُ شيئاً عن التحقيق، -عشر دقائق فقط مدة التحقيق- وشيء سخيف أن أراقب الأمكنة المُراقبة، فيبقى منها صورة في رأسي وتبقى مني صور على آلات تصويرهم إضافةً إلى أني  مهما أرعبتني تفاصيل المكان- لم أكن قلقةً بشأن التحقيق بقدر ما يؤرقني المسمّى الوظيفي للشخص الذي معي فهو سجّان وأنا سُميتُ سجينةً، والسجان هو السجان فلا داعي لخوض أي تحقيق ومع هذا فقد خضته. لو بي طاقة على الضحك لأجهشتُ بالضحك بدلاً من الحزن والدمع، فهو والحق أقول لا يملك ما يسأله، فانشغل بلون عينيّ، وغمازتي، وشكل منديلي حتى إنه قال وهو بكامل وعيه "ما رأيك أن تخلعي منديلك لأرى شعركِ وأزوجك لأحد رجالنا الأنيقين؟".

لم يكن للون عينيّ أو تدويرة وجهي أية إدانة لي فحاول البحث في صفحتي "الفيسبوكية" فوجد لي عبارةً كنتُ قد كتبتها  قبل اشهر فقرأها "اذا رحلتُ تحت الثرى دثّروني بجوامع الدعاء". لا أعرفُ إن كان فيها ما يستدعي السجن إلا إن كان لا يستطيع القراءة باللغة العربية! ومع هذا فقد اعتبرها تحريضاً، وحُكِمتُ بالسجن الإداري لمدة ثلاثة شهور دون أن أعرف لماذا هي الثلاثة شهور ولماذا سُجنتُ؟! وما معنى كلمة "إداري" في قواميس السجن!

***

الآن أجلس وأراقب.. جسدٌ مثخن بالرضوض والكدمات ولا جدوى من اندلاع الذكريات وعبثاً أن أهجس بما يجري خارج أسوار المكان.. عليّ إذن أن أحمل سجن المكان وأضفي عليه شيئاً مني لأتعرف على آخر يسكن داخلي عساني أتعرف على ذاتي الجديدة، أحاول أن أنسى الضرب والضعف ووهن القدرة على الحركة والكلام فأجد حولي أسيرات يعاملنني بلطفٍ "وهذه ليست محاولة لتقبّل السجن".

لم يحسب السجّان شيئاً مهمّاً جداً وهو أنهم بالسجن لا ينقصون من عدد الأحرار بل يزيدون من عدد السجناء.. وهذا لا طاقة لهم به.

وهنا، في سجن "هشارون" تعرّفتُ على أهلٍ سأعرفهم جيداً طوال الشهر والنصف قبل أن يتم نقلي إلى سجن "الدامون" الجنائي لأمضي فيه الشطر الآخر من المدّة.

صار الوقتُ شيئاً غريباً غير الذي عرفته طيلة حياتي. في الدورية كان الوقت مجهولاً، في الزنزانة أيضاً لا يعرّف عن نفسه، وحتّى في القسم كان يملك من الرتابة ما يكفي ليفقد ذاته وأهميته، فثمة وقت "للعدد"، ووقتٌ للتفتيش وآخر" للفورة "وللأكل والتنظيف. أما الآن، في يومي الأخير، فلم يعد محض عقارب ساعة تدور بل كأنه أنصال حادّة تنغرس في صدري ببطء، لو كان في وسعي أن أدفعه ليمضي، كيف يمضي الوقت يا الله؟ كأنه يتواطأ كما عكازة أبي، هل سيسقط هو أيضاً ولا يدق؟! ربما بالنوم يمضي، سأحاول النوم. الآن سأصلي وابتهل الى الله داعية استعادة حريتي. سيمضي الوقت. احتفال وداع مشعٌ بالأمل نظمته الأسيرات. سيمضي أكثر.. أجهز نفسي للرحيل وأرتدي ملابسي لربما يتقلّص أكثر.

جاءني السجّان وأخذني إلى الخارج وهو يقول: "اعتقالك كان مجرد قرصة أذن إلك ولغيرك".

خرجتُ إذن، ثلاثة شهورٍ من الغربة والوحشة تعصف في أحشائي، كأنها ولادة أخرى لأسيرة هي أنا، بل لربما كانت موت "جورين" وولادة رقم!

الآن على حاجز سالم العسكري أعود جورين وأستمتع بالهواء والشمس والحياة العادية بين الناس، وأن أحدّث أبي كما كل فتيات العالم.. أخذتُ هاتفاً من أحد الشبّان الذين وجدتهم في طريقي، واتصلتُ بأبي؛ الهاتف يرن.. ماذا أقول له؟ هل أحدّثه عن أيام السجن أم الزنزانة أم الوقت الذي لا يدق أم عن شعور الحرية؟ ماذا؟.. الهاتف يرن.. لا وقت لهذه الترهات.. ردّ أبي فقلت:

- يابا.

 ثم لم يأذن لي بكاؤه لأن أواصل الحديث.

***

كل ما كان يدقّ، ترجمته حواسّي إلى اعقاب البنادق.. اصبحت حقّاً أخافها، دقات قلبي والساعة، دقات الخوف في الدورية، دقات الصمت في الزنزانة.. كل شيء يرعبني كأنه صوت السجان، ولكن لا بدّ من شيءٍ آخر يدقّ بلا خوف.. حتماً يدق.

أنام الآن.. أضع منديلي بجانب رأسي تحسّباً لأي طارئ، وأكون مستعدةً "للعدد" عند الخامسة صباحاً.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018