حكاية علي.. عن زراعة الأمل رغم القيد

 

أعلنت الصيحات الأولى للطفل علي صلاح حسين (8 أشهر)، حال خروجه من رحم أمه، أن إرادة الاحتلال لن تنتصر ولن تفرق بين زوج من داخل الأسر يتطلع إلى الحرية فجراً ليس ببعيد وزوجته في الخارج، وحولته نطفة مهربة إلى مناضل في المهد كما وصفه كثيرون.

الحكاية بدأت منذ أن انتصرت إرادة الحب على قسوة الحياة، وقررت شيرين نزال أن ترتبط بصلاح حسين. أيام معدودات بعد ذلك حتى أسر حسين وصدر بحقه حكم احتلالي بالسجن 15 عاماً ونيف، لكن شيرين لم تيأس أو تسلم بما أراده الاحتلال، وواجهت إثر ذلك ضغوطات جمة للتفرقة بينهما، فكيف لفتاة في مقتبل العمر أن توقف حياتها 15 عاما في الانتظار. 

إلا أنهما استطاعا بإرادة وحب تتلخص فيهما حكاية وطن أن يتمردا على ضغوطات المجتمع والسجان ويبقيا على العهد لسنوات، ثم يتخذا قراراً بالخطوبة بعد سنواتٍ من الأسر، ويخططا لما بعد ذلك غير آبهين بقيود الأسر. 

بعد تخطيط وتفكير ملي، قرر الخطيبان صلاح وشيرين أن يكونا بارقة أمل لكثير من أمثالهما الذين أوقفت الزنازين عجلة الزمان بهم وجعلت من كل فكرة مجرد حلم أو خيال، وهنا قررت شيرين وصلاح ما يلي: بنطفة مهربة سيأتي طفلنا إلى الحياة.

تقول شيرين: "في البداية شعرنا أن القضية صعبة خاصة أننا لم نكن متزوجين، ولكن عندما تشربنا الفكرة قليلا، وجدنا ترحيبا من أسرنا، وحصلنا على فتوى شرعية ليدخل الموضوع حيز التنفيذ".

وتضيف: "وصلت النطف وحفظت طبيا لمدة سنة ونصف السنة، قمنا خلالها بتهيئة المجتمع المحيط، فمن غير الممكن أن أباشر بهذه الخطوة بشكل فجائي دون أن آخذ بعين الاعتبار البيئة ونظرة المجتمع الذي أعيش فيه، لذلك قمنا بعمل عرس وأخبرنا الناس فيه بخطوتنا القادمة، والجميل أن المحيط شجعنا رغم أننا خطبنا وتزوجنا وسننجب، وصلاح غير موجود".

بهذا الترحيب الواسع وبهذه الخطوة الجريئة، تظهر خصوصية فلسطين عن غيرها من المجتمعات الأخرى، التي لم تذق مرارة المحتل ولم تجرب كيف يمكن أن تجعل من المستحيل حقيقة وواقعا، بهذا لخصت شيرين تجربتها.

المضي بهذه الخطوة لم يكن عبثيا وسهلا، فلم تفكر شيرين ولم يفكر صلاح كل فقط بذاته، وكيف بإمكانه أن يشبع شغفه وإحساس الأمومة أو الأبوة بداخله غير آخذ بعين الاعتبار أن هناك جسداً وروحاً ستأتي هي الأخرى لهذه الدنيا وكيف سيكون حالها. حول ذلك تقول شيرين: "التوازن في هذه القضية مهم جدا. في السنة التي اخترناها لولادة علي، وضعنا بعين الاعتبار أن 4 سنين فقط ستكون متبقية لصلاح في السجن، وفيها سيحتاج الطفل لأمه أكثر من أبيه، ولم نقم بذلك في وقت مضى خوفا من أن يكبر الطفل ويشعر أن والده سنده ليس بجانبه كغيره من الأطفال في ذات سنه".

 

فلسطين هي علي.. بحلوها ومرها

بعد أن جاء علي إلى الدنيا، لم تكن الحياة أقل صعوبة من قبل، إلا أن ما أضافته ضحكات علي وصيحاته وحركاته في حياة شيرين من حلاوة وطعم مختلف خففت عنها غياب زوجها، وجعلتها على حد وصفها أكثر صبراً وأشد صلابة.

تقول شيرين: "أن تلد سيدة وزوجها بالأسر يعني أنها ستواجه تحدياً ثلاثي الأبعاد، الأول أن زوجها وشريكها غير موجود لذا عليها أن تمثله اجتماعيا ومادياً، ثانيا أنها أم لطفل وعلى عاتقها مهمة الرعاية والتربية، أما ثالثا فهي أنها تعيش حياة فلسطينية والمجتمع الفلسطيني يجابه تحديات كثيرة ولا يوجد أمامه أي أفق مفتوح".

ورغماً عن هذه التحديات، تقول شيرين إنها استطاعت أن تتخطاها لأنها متعلمة وموظفة، ومن الجانب الاجتماعي قالت: "أنا محظوظة بأهل قدموا لي الدعم الكافي، لذلك، فمن الصعب أن أتخيل أن تلد زوجة أسير وهي تجلس في المنزل فقط تنتظر زوجها أن يخرج من الأسر".

وتعتقد شيرين أن الجانب الاجتماعي مهم جداً لها ولطفلها وتضيف: "لا تستطيع أن تعيش وحدك ليس لأنك ضعيف، بل لأنك يجب أن تشعر بوجود الآخرين بجانبك، حتى علي فهو بحاجة لعائلة وأقارب يعوضونه قليلاً عن غياب والده".

 

أمل جديد للأسرى

أما حياة صلاح فهي الأخرى داخل الأسر انقلبت رأسا على عقب، فهو اليوم مهتم بتفاصيل صغير جديد يكبر وينمو بحفظ وأمانة أمه وعائلته وبقلب والده الذي يتعطش شوقاً لرؤيته، تقول شيرين عن زوجها: "السجن لا يعزل الأسير عن العالم بل يقتله نفسياً ويوقف حياته، إلا أن علي أعاد الأمل من جديد وتحقق بصمود وقناعة وإرادة والده الذي يتحدث عنه يوميا لرفاقه بأن هناك رفيقاً صغيرا ينتظره في الخارج، بات منذ جاء صاحب كاميرا وشهرة".

وبهذه الخطوة أصبحت العائلة قصة نجاح ومثلا تأمل عائلات الأسرى أن تحذو حذوها، فبعد أن كانت فكرة صلاح من هذه الخطوة أن يفتح الباب أمام المخطوبين لاستغلال سنوات عمرهم، قام ثلاثة من الأسرى بتنفيذ هذه الخطوة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018