اللاجئة الصغيرة جودي.. الجسد في الدنمارك والقلب في سوريا

 

"نفسي أرجع ع مخيم اليرموك بسوريا، ألعب مع صاحباتي"، قالت جودي هذه الكلمات وهي تتحدث لنا عن أسماء الأماكن على خارطة مدينة كوبنهاغن في الدنمارك، فهذه الصغيرة ابنة الثمانية أعوام تملك أمنية ربما هي بعيدة عن التحقق في الزمن القريب وهي العودة إلى المخيم الذي غادرته قبل 4 أعوام مع بداية الحصار.

ويروي عمها الحكاية التي بدأت بخروج عائلتهم الممتدة من المخيم إلى دمشق، وكلهم يحملون وثائق تصفهم باللاجئين الفلسطينيين، وحالت بينهم وبين التنقل في عدة مدن ليقرروا الانتقال إلى لبنان علّهم يجدون عملا هناك، إلا أنّهم عادوا، حيث أيقنوا أن البقاء كفلسطينيين لاجئين خارج المخيم أمر صعب ومعقد.

يتابع العم: "لم يكن أمامنا خيار، قررنا السفر إلى تركيا أنا وجودي ووالدتها وأختها، لكن والدتي بقيت في سوريا فحالتها الصحية لم تكن تسمح لها بالسفر". استغرقت الرحلة يوما ونصف اليوم، رحلة تتراوح قسوتها كما يصفها العم بين مشقة السفر والمبالغ الكبيرة التي تدفعها لكل من يوصلك إلى مكان ما خلال عملية التهريب، لكن لا مفر "فالواحد ميت ميت" كما يرى العم.

حاولت العائلة إيجاد عمل في تركيا لكن الأمر كان يزداد صعوبة فكانت أوروبا هي الوجهة الثانية، لكن الذهاب إليها لن يكون أسهل من الوصول إلى تركيا، ولكي تخرج إلى ايطاليا عليك الهرب من خفر السواحل التركي، ما يعني أن المسافة القصيرة ما بين البلدين ستصبح أطول بكثير.

يقول العم: "9 أيام بالبحر كانت الأقسى، فالرعب يحيط بالركاب المتراصين في مركب قال المهرب إن مساحته 60 مترا ولكنه في الحقيقة أصغر من ذلك بكثير".

كل من في المركب كان يتربص به هاجس الغرق وسقوط أي شيء بالبحر كان كفيلاً بجعل الجميع يرتبكون ظناً أن ما سقط ليس إلا واحداً منهم، لم تكن الأمواج في الايام الأخيرة للرحلة صديقة لهم فقد بدأت تتلاطم، لتزيد الرعب رعباً، ويبدأ المعظم بالاستفراغ فهم لم يعتادوا ركوب البحر ودواره.

كان العم يمسك بجودي في القارب وفي ذهنه سوريا ومن تركهم في سوريا وتركيا، فهو لم يخبر والدته بسفرهما خوفا من تردي وضعها الصحي وأم جودي وأختها بقيتا في تركيا لصعوبة الرحلة وغلاء ثمنها.

وعند اقتراب وصول المركب إلى الحدود الإيطالية استقبل اللاجئين خفر السواحل الايطالي، ويروي العم: "كانت سفينة الخفر تقترب من القارب وكلما زاد اقترابها زادت حركة الموج ما سبب ذعراً لنا، ولكن في النهاية تم نقلنا باستخدام قوارب صغيرة، الأطفال أولا ثم الكبار، انتظرت جودي كثيراً على الشاطئ وللحظة ظننت أني فقدتها".

تجبر العديد من الدول الاوروبية اللاجئين على وضع البصمة وتقديم طلب اللجوء فيها، لكن إيطاليا لم تطلب منهم، تركت لهم حرية البقاء أو الرحيل، جودي وعمها ومجموعة من رفاق الدرب قرروا المتابعة، ليتم إيقافهم في ألمانيا ويخيروا بين المتابعة أو اللجوء بشرط ترك البصمة في الحالتين، وهذه البصمة للأمور الجنائية فقط، لكن المجموعة اختارت الاستمرار إلى الدنمارك.

العام الماضي فقط وصلت جودي وعمها إلى الدنمارك ليقضيا 6 أشهر في أحد مخيمات اللاجئين ويواظبا على مدرسة اللغة، ومع تأخر الحصول على إقامة بدأ العم يفقد الأمل ما انعكس سلبا على تعلمه اللغة ولم يعد يلتزم بالدروس، إلا أن حصولهما على إقامة لمدة 5 سنوات وخروجهما إلى منزل مستقل في المدينة أعاد إليه رغبة التعلم من جديد خاصة أنّه لن يحصل على عمل ما دام لا يجيد اللغة.

الآن العم وجودي ينتظران الموافقة على لم الشمل الذي كان من المفترض أن يصدر في أيار الماضي إلا أنّه تم تأجيله، حتى تلتئم عائلة جودي المشتتة، فجودي وعمها في الدنمارك والأم والابنة الثانية في تركيا والأب في اميركا.

تتابع جودي: "في الدنمارك كان لازم أكون في الصف التالت بس انا هلا بصف أول وبتعلم دنماركي من سنة، وبس أكبر بدي أصير معلمة دنماركي وأترجم للناس"، ربما لم أكن بحاجة إلى سماع هذا الكلام مباشرة فجودي منذ التقيتها في المحطة تتحدث اللغة بطلاقة وتقرأ بثقة كل كلمة تواجهها.

يحاول العم أن يعوض جودي عن غياب أفراد عائلتها فهو الأب والام والصديق الآن، ويعمل على كسر الحواجز الثقافية مع الميل للحياة السورية والحفاظ على بعض العادات، وأمنية بالعودة يوما ما، فلا يمكن عدم لمح تلك النظرات على وجهيهما وآثار الابتسامة عند الحديث عن سوريا وبالأخص مخيم اليرموك.

أما الجدة لأبيها فتوفيت بعد وصولهما إلى الدنمارك بفترة قصيرة.

توقف جودي الحديث فجأة: "ما بدي أحكي عن سوريا كمان لانو تيتا لو سمعتني حتصير تعيط وتقول سوريا سوريا!".

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018