العيادات القانونية ترسّخ مجانية الوعي القانوني

 

وجدت إيمان في العيادة القانونية ضالتها، بعد أن حرمت من تحقيق العدالة لسنوات طويلة بسبب الظلم الواقع عليها من قبل زوجها، الذي يمارس أشد أنواع العنف الجسدي عليها، حتى بات جسدها الضعيف ممهورًا بالعلامات الزرقاء والرضوض والخدوش.

ورغم ذلك استمرت بالعيش معه، على أمل ان يتغير للأحسن، حتى صُدمت بخبر عدم مقدرته على الإنجاب وأنها بسبب عقمه ستبقى طوال حياتها محرومة من أن تصبح امًّا.

بذلت إيمان جهودًا مضنية لإقناعه بالعلاج، وبعد عناء اقتنع بإجراء عملية تلقيح مجهري، مكنتها من إنجاب طفلة، لكن وجود طفلة في حياته لم يكن سببا كافيًا في تغيره، فقد واصل قسوته وعنفه، حتى زادت الأمور سوءًا حين بدأ يصاب بنوبات صرع وإغماء، لتكتشف الزوجة أنه أصبح مدمنًا على العقاقير المخدرة.

انتهت رحلة معاناتها بهروبها من بيت زوجها خوفًا على حياتها وحياة طفلتها التي رزقت بها بعد معاناة كبيرة، والذهاب إلى بيت أهلها، باحثة عن ملاذ آخر يحميها من الذل والعذاب.

تقول ايمان: "حين ذهبت للعيادة القانونية، حاولت محامية العيادة تسوية مشكلتي مع زوجي بشكل ودي وبأكثر من محاولة عن طريق رجال الإصلاح، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل في ظل تعنت زوجي، وبعد جلسات في المحاكم حصلت على حكم بالنفقة لي ولطفلتي".

وتعتبر العيادات القانونية التسع المنتشرة في قطاع غزة التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP/PAPPV، بمثابة نقلة نوعية في إحداث توعية قانونية للفئات الهشة، وتمثيل الحالات الفقيرة والمظلومة امام المحاكم، للحصول على حقوقها، بشكل مجاني دون إضافة أعباء مادية على هؤلاء الفقراء.

ومن بين تلك العيادات كانت العيادة القانونية رقم "9" التابعة للجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون بمحافظة رفح، كأحد الروافد القانونية التي أسهمت وتسهم في نشر الوعي القانوني وتمثيل الفئات الفقيرة والهشة قانونيًّا. 

فقد استطاعت العيادة، ومن خلال قدرتها على الوصول إلى المناطق النائية التي تعاني من الجهل القانوني، تثقيف وتوعية آلاف المواطنين قانونيًّا، وتقديم خدمات قانونية مجانية لمئات الحالات، ما أسهم في تحقيق قصص نجاح عديدة.

 

ضرورة ملحة

يقول الدكتور إبراهيم معمر رئيس مجلس إدارة الجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون التي تحتضن "العيادة القانونية رقم "9": إن الجمعية تمكنت من خلال مشروع "تمكين الفئات الهشة قانونيًا وتعزيز وصولهم للخدمات الاجتماعية الأساسية (مساواة)" من إنشاء العيادة القانونية رقم (9) عام 2011.

وبين معمر أن السبب وراء إنشاء هذه العيادة يعود إلى مدى الجهل القانوني الذي أصاب فئات المجتمع نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية في محافظة رفح وارتفاع معدلات البطالة، واستهداف فئة النساء بالتحديد، كونهن الحلقة الأضعف في المجتمع وجهلهن بحقوقهن القانونية والشرعية، معتبراً أن هذه الفئة الأكثر تهميشا وانتهاكا لحقوقهن في ظل وجودهن في مجتمع يتمتع بصفة الذكورية. 

وتؤكد المحامية سعاد المشني "مدير العيادة القانونية" بالجمعية الوطنية أن العيادة القانونية ومنذ نشأتها نجحت في تقديم العديد من خدمات العون القانوني بمستوياته الثلاثة: التمثيل القضائي والاستشارات القانونية والتوعية القانونية للفئات الهشة والأسر محدودة الدخل ومتوسطة التعليم، كونها أكثر الفئات جهلاً بالحقوق القانونية، حيث عمدت العيادة القانونية إلى مساندة تلك الفئات من الفقيرات والمحرومات، سعيًا وراء تمكينهم اقتصاديًّا وقانونيًّا للحصول على حقوقهم كاملة.

وأشارت المشني إلى أن هناك صعوبات تواجه عمل العيادات القانونية بشكل عام، ومن خلال عملها لا سيما في المحاكم، أبرزها البطء في الإجراءات القانونية أمام المحاكم، وخاصة في المحاكم الشرعية، بسبب قلة عدد القضاة مقارنة بعدد المتخاصمين، بالإضافة إلى تهالك مباني المحاكم، وعدم تحلي النساء اللواتي يرفعن القضايا بالصبر، الذي يمكنهن من الحصول على حقوقهن فيتنازلن أحيانًا عنها. 

 

تمثيل قضائي

إحدى السيدات طلقها زوجها عام 2014، وتركها تواجه قسوة الحياة بمفردها، دون أن يعبأ بما قد تلحقه الحياة بها وبأبنائها، فهي أم لثلاثة أطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم 7 أعوام.

بعد أن فقدت الأمل، ساقها قدرها إلى حضور أحد لقاءات التوعية القانونية التي ينفذها فريق العيادة، بالتركيز على المناطق المهمشة، فطرحت مشكلتها أمام الجمهور والدموع تنطق بين جفونها من شدة قساوة الحياة التي رأتها وهي لا تزال في مقتبل عمرها، فتم تقديم الاستشارة الأولية لها من قبل الفريق القائم على تنفيذ اللقاء ثم دعوها للتوجه الى مقر العيادة القانونية التي طرحت المشاكل القانونية والاجتماعية التي تعاني منها هي وأبناؤها، ثم توجهوا للمحكمة للمطالبة بحقوقها التي يرفض زوجها أن يمنحها إياها، حيث تم رفع قضية نفقة بنت ومهر مؤجل وأجرة حضانة ومصروفات وأجرة ولادة وكسوة مولود وأجرة رضاعة وتم الحصول على أحكام لصالحها في جميع هذه القضايا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018