أكثر من ستين عامًا حارسًا للتاريخ في مقبرة الإنجليز بغزة

 

يصفها سكان قطاع غزة بأنها قطعة من أوروبا بينما حارسها الثمانيني يقول: إنها قطعة من روحه خصوصًا وأنه يقوم على حراستها منذ أن كان صبيا في الثامنة عشرة من عمره.

 

ولدت بين القبور

على  مساحة 40 كيلومترًا مربعًا من الأعشاب الخضراء، هذه المساحة الساحرة التي يطلق عليها اسم "مقبرة الانجليز" على شارع صلاح الدين شرق مدينة غزة يرنو بصر ابراهيم جرادة "80 عامًا" ويعود بذاكرته الى ما قبل ستين عامًا حيث غرس بأنامله اليافعة وقتها عشرات الشتلات التي عمرت معه وبقيت شاهدة على تاريخ المكان.

يقول جرادة: "المكان بالنسبة لي أكثر من مجرد مقبرة فأنا هنا منذ عشرات السنين بالكاد وطأت قدماي خارج حدوده مرات معدودة، حياتي لا تتجاوز حدود هذا المكان".

يضيف: "ترعرعت هنا بين قبور الموتى مع والدي الحاج ربيع الذي كلفه البريطانيون بإنشاء المقبرة لدفن جنودهم وحملت على عاتقي أمانة استكمال مشواره".

ويشير جرادة الى الدهشة التي كانت تنتاب الناس في البداية من اقامة عائلته بين القبور والمبيت هنا لكنهم مع الوقت وعلى مدار الأجيال المتعاقبة باتوا يدركون جيدا أن المقبرة بالنسبة له ولأبنائه قطعة من أرواحهم، حسب وصفه. 

جرادة الذي يتلقى راتبه الشهري من السفارة البريطانية في القدس يعتبر أن تاريخ حياته مرتبط بوجود مقبرة الحلفاء، المكان الذي ولد فيه ومن خلال احتكاكه بالبريطانيين تعلم اللغة الانجليزية.

 

حارس التاريخ

"انا رهنت عمري لحراسة التاريخ"، هكذا يصف جرادة سر تعلقه بالمقبرة التي تضم رفات ما يقارب أربعة آلاف قبر لجنود جاءوا لقتال الدولة العثمانية مع قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى "1914-1918". 

يتحدث جرادة عن المعارك التي عاش تفاصيها وقتل الجنود خلالها قائلاً: "كانت ثلاث معارك رئيسية أكبرها كانت معركة وادي غزة وهناك معركة المنطار حيث دفن الجنود هنا في المقبرة التي أسستها هيئة قوات التحالف "الكومنولث ليبقوا إلى الأبد في مكان المعركة".

وتصطف القبور الى جانب بعضها البعض متساوية كتحفة هندسية معمارية تضم في كل سطر 21 قبرًا، ويوجد على كل قبر شعار الدولة التي تدل على جنسية الميت واسمه وعمره وتاريخ وفاته ورتبته العسكرية، وبعض القبور مكتوب عليها جمل تدل على وضع صاحب القبر مثل هناك قبر مكتوب عليه "ابن أبيه الوحيد" وقبر كتبت له زوجته "أنت في القلب لن ننساك".

ويشير جرادة الى أن رفات الجنود ليست فقط بريطانية وانما تعود لديانات وجنسيات مختلفة من يهود ومسلمين ومسيحيين وهندوس من ألمانيا وأستراليا وفرنسا وتركيا وبريطانيا والهند.

متكئًا على عصاه، منحني الظهر يمشي جرادة بين القبور يحدثنا عن تاريخ كل شجرة ونبتة في المكان خصوصًا أشجار الجكرندا والبونسيانا التي زرعها جرادة مع والده قبل عشرات السنوات.

وفي مكتبه داخل المقبرة جلسنا حيث يحتفظ بمجموعة من الكتب التاريخية التي كان يحصل عليها من البريطانيين الذين قلدوه يومًا وسام الملكة البريطاني في احتفال بغزة عام 1994.

ورغم كم المعلومات التاريخية التي يرويها الا ان جرادة يعتبر نفسه نسي الكثير بحكم سنه ما دفعه لاقتناء ورقة فيها معلومات وكتب عن تاريخ المقبرة التي يحفظ مكان كل قبر وتاريخ وقصة من دفن فيه.

 

أمانة نتوارثها

جرادة الذي ولد في تشرين الاول من عام 1937 تزوج عام 1956 ودرس الثانوية العامة في مدرسة يافان وهو أب لثلاثة عشر بنتا وولدًا، وكما ورث حراسة المقبرة عن أبيه فانه يزرع حبها في أبنائه ليكملوا المشوار من بعده.

يقول جرادة: "منذ أن كنت صغيرًا وأنا أشاهد أبي وهو يعتني بالنباتات والزهور واليوم ابني يراقبني ليتولى المهمة ذاتها من بعدي".

عصام (47 عاما) ورث حب الزراعة وتعلق قلبه بالمكان يقول: "يضحك الناس حين أقول لهم إن المقبرة البيت الثاني لنا فهنا ولدت وهنا كبرت وهنا أتذكر تفاصيل كثيرة عن طفولتي وعن عائلتي واخوتي عنما كنا صغارًا".

يقاطع حديثنا والده المسن ابراهيم وهو يسأله قائلا: "بتذكر يابا لما كان عمرك ست سنين ودفنا الكنديين وقعدت تسمع لصوت المزمار في الوداع العسكري الرسمي ووقفت عند القبور وهم بيدفنوا الجنود".

وبمشاركة عصام يعطي جرادة اهتمامًا بالغًا للمقبرة من حيث الترتيب والنظافة فيصف اهتمامه بها قائلا: "منذ أن استلمت العمل هنا قبل ستين عامًا وأنا أصر على الاستيقاظ في الصباح الباكر أعمل بروح مرحة محبة للمكان ولتاريخه أقلم الأشجار وأزرع الزهور وأسمد الأرض".

ويضيف: "الأهم من كل هذا حراسة المكان من أي اعتداء فأنا أعتبره كنزًا تاريخيًّا لا يجوز تخريبه، رغم من أننا نفتح المقبرة للزوار وللناس الذين يجدون في هذه المساحة الخضراء متنفسًا جميلاً يسعدون بالجلوس فيها".

المقبرة بالنسبة لجرادة اكثر من مكان عمل أو مصدر رزق له ولأبنائه لأنها باختصار حسب وصفه "شاهد حي على التاريخ"، وتدلل على ضراوة المعارك التي خاضها العثمانيون ضد القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018