مآسٍ تحكيها قصص واقعية المرأة المعنفة ضحية عنف مسكوت عنه.. ومراكز الحماية ملاذ آمن


 

 

 

"إذا كان العنف مصيبة، فالسكوت عليه مصيبة أكبر"، وما زالت المرأة المعنفة في فلسطين ضحيةً لسياط العنف، وما يزيد الطين بلة، السكوت على العنف استسلامًا للعادات والتقاليد وتيمنًا بالمثل الشعبي الدارج: "غُلُب وسترة ولا غُلُب بفضيحة"، فمتى ستكسر المرأة المعنفة حاجز الصمت لتطرح قضيتها وتجربتها دون خوف وتعممها كرسالة للنساء اللواتي لا يزلن يرفضن الحصول على المساعدة لاعتقادهن أن السبيل الوحيد للحماية في ظل ثقافة المجتمع الذكوري هو "الصمت"؟!

مديرة دائرة الحماية في وحدة المرأة والنوع الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية نوال التميمي تقول في حديث لـ "الحال": "المرأة المعنفة تلجأ لطلب الحماية في حالات اقل ما توصف به بأنها غير انسانية، وخارجة عن قدرة التحمل البشرية، وعندما تقرر التوجه للبيوت الآمنة تكون استنزفت كل السبل والوسائل الذاتية من صبر  وتحمل وفقدت الأمل في إيجاد حلول داخلية لوقف الظلم والاضطهاد، فوجدت بالبيت الآمن الملاذ الأخير والمنفذ الوحيد للحياة والأمان". 

"محور" هو المركز الحكومي الوحيد الذي يقدم الحماية والرعاية والإيواء للنساء المعنفات فوق سن 18 عامًا والمتزوجات ما دون ذلك اللواتي يتعرضن للعنف بكافة اشكاله ويواجهن تهديدا بالخطر على حياتهن، اقيم في 2002 بدعم من التعاون الايطالي في بيت لحم لخصوصية المنطقة وتقبل سكانها لفكرة وجوده، وكان من المفترض إقامته في محافظة جنين، لكن رفض المجتمع المحلي وعدم تقبله لفكرة المركز حال دون ذلك.  

 

بالاضافة لمحور، هناك مركزان آخران: البيت الآمن في نابلس التابع لجمعية الدفاع عن الأسرة، ومركز الطوارئ في اريحا التابع لمركز المرأة للارشاد القانوني، وهي كلها تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، وهذه المراكز الثلاثة تستقبل الحالات بعد تحويلهن من قبل المؤسسات الشريكة (الشرطة" وحدة حماية الأسرة، والمنظمات غير الحكومية، ووزارة الصحة، ووزارة المرأة، والنيابة حالياً) أو التي  تحول من قبل مرشدة المرأة الموجودة في مديريات الشؤون الاجتماعية حيث يوجد 12 مرشدة موزعة على 11 محافظة يستقبلن الحالات ويقدمن لها مساعدة الأولوية طلبًا للحماية.

وتكشف التميمي مراحل التدخل مع المنتفعة التي تبدأ باستقبالها من مرشدة تسعى للتخفيف من معاناتها  وطمأنتها بأنها في أمان وأن المؤسسة ستعمل على حمايتها وتوفر المساعدة والرعاية لها، كما تؤكد لها على سرية المعلومات التي ستفصح عنها وخصوصيتها، ثم يتم تحديد درجة الخطورة الواقعة على المرأة بالتعاون بين المرشدة ووحدة حماية الأسرة، بعد إجراء مقابلة معها وجمع المعلومات عن وضعها ووضع اسرتها لمعرفة تفاصيل ما حدث لها. وعلى إثر ذلك يتم عقد مؤتمر حالة اولي لرصد لعنف الواقع عليها وتحديد هل هو شديد خطورة ويستدعي تحويلاً للمراكز الحماية، أو معالجة مشكلتها خارج المراكز بالتعاون وبمساعدة جهات قرابة. 

وتضيف التميمي: "تستقبل المعنفة في مركز الطوارئ لمدة شهر ويتم تقديم المساعدة الأولية لها، وبعد مضي المدة ييتم اتخاذ قرار إخراجها ودمجها بأسرتها بعد التأكد من زوال الخطر الواقع عليها واستعداد مجتمعها المحلي لتقبلها، أما اذا كان وضعها لا يسمح، فيتم تحويلها لمركز محور في بيت لحم، او بيت الأمان في نابلس حسب ظروفها، حيث يتم استقبالها في هذه المراكز وعمل مؤتمر حالة بشراكة المؤسسات لوضع آلية التدخل لتوفير الخدمات بكافة النواحي (الارشادية، والصحية، والقانونية "مرافعة عنها في المحاكم في قضاياها النظامية والجنائية"، والتأهيلية، والتمكينية)، خلال فترة وجودها في المركز لمدة سنة واحدة حسب الحالة. وتعمل مرشدة المرأة مع اسرة المعنفة لإعادة دمجها، "أفضل بيت للمرأة هو بيتها والبيوت الآمنة هي مرحلة انتقالية فقط لا غير لمساعدتها على الخروج من دائرة العنف".

وتتابع: "بعد استكمال خطة العمل مع المعنفة والتأكد من زوال الخطر، يتم اخراجها بعد عمل جلسات لوضع الخطط المستقبلة لمتابعة المعنفة والتأكد من اندماجها وتقبلها في عائلتها، علمًا أن بعض الحالات قد تصر على الخروج من المركز رغم أنها قد تتعرض للقتل وبحجة حق تقرير مصير لأنها بالغة عاقلة من حقها الخروح في هذا الوضع، ونحن نرفض إخراجها لأن حق تقرير المصير يتعارض مع الحق في الحياة".

وتكشف التميمي عن سبع حالات لا يتم استقبالهن في المركز وهن (كل من تعاني من إعاقة عقلية أو مرض نفسي يشكل خطرا على المنتفعات، وكل مدمنة أو متعاطية لمخدر او مسكر، كل من يقل عمرها عن 18 عاما إلا إذا كانت مرافقة لوالدتها المعنفة، او المتزوجة، وكل منتفعة تشكل خطرًا على المنتفعات الأخرى "الساقطات أمنياً"، وكل منتفعة تمارس الدعارة كمهنة لها، وكل من ارتكبت جناية أو جنحة وصدر بحقها حكم قضائي ولم تنته فترة محكوميتها، والمصابة بأمراض معدية".

وتكشف أيضًا أن من أصعب الحالات التي يتم استقبالها هي سفاح القربى بقولها: "استقبلنا فتاتين تعرضتا للاغتصاب من قبل الاب العاطل عن العمل منذ صغرهما، وعندما اصبحتا في سن المراهقة عرفتا أن هذا الوضع غير طبيعي فقدمتا شكوى ضد الأب وتم سجنه، ووضعت الفتاتان في مركز رعاية الفتيات حيث كانتا بحالة نفسية صعبة تم العمل معهما ومساعدتهما وهما حاليًّا متزوجتان ومندمجتان في المجتمع تعيشان حياة مستقرة وآمنة".

ومن القضايا التي تم العمل معها ونتيجة التقصير من جميع المؤسسات في متابعة الخطورة -كما تقول التميمي-  قضية نانسي زبون التي خسرت حياتها على يد زوجها.

وعرضت التميمي بعضًا من قصص النجاح نتيجة تمكين النساء الاقتصادي للاعتماد على نفسها كقصة  "م.ع" التي لجأت الى المركز طلبًا للحماية من زوجها وعائلتها وتم العمل معها وتمكينها اقتصاديًّا، وحاليا تعمل في بيت لحم وتعيش هناك مع ابنها الكبير".

وتوضح المحامية علا ياسين من الدائرة القانونية بوزارة الشؤون الاجتماعية آلية نظام التحويل الوطني للنساء المعنفات "تكامل" الذي أنشأ شبكة فعالة متعددة القطاعات ذات سمة شمولية لدعم ضحايا العنف المبني على النوع الاجتماعي، حيث يتكون النظام من 3 بروتوكولات يحدد الاجراءات والخدمات الواجب تقديمها للنساء في كل من القطاع الصحي، والقطاع الاجتماعي، والقطاع الشرطي، كما يشتمل النظام على نماذج لتوثيق حالات العنف وتحويلها وتقييم خطورتها، بالاضافة للدليل الارشادي للمؤسسات التي تقدم الخدمات للنساء المعنفات.

وتطرقت منسقة برنامج الإرشاد في جمعية المرأة العاملة فتنة خليفة الى دور المنظمات غير الحكومية في تقديم الحماية للنساء المعنقات متمثلة بدور جمعية المرأة في تسهيل وصول النساء للعدالة وتحقيق التوازن الاجتماعي والنفسي ومكافحة جميع اشكال العنف الواقعة عليها بهدف تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والوصول الى مجتمع صحي يحترم حقوق المرأة كإنسان.

وعرضت خليفة آلية عمل الجمعية مع المرأة المعنفة التي تلجأ اليها اما عن طريق حضورها للجمعية أو عن طريق خط الارشاد الهاتفي (1800606060)، وأشارت بالتحديد إلى قضية السماح للمرأة باتخاذ قرار حق تقرير مصيرها وفهم نتائج ومضاعفات هذا القرار خاصة اذا رفضت اللجوء لمراكز الحماية وطريقة العمل معها وتوعيتها بماذا تستطيع فعله اذا وقع عليها العنف، من خلال مناقشة خطة نجاة تبدأ بالبحث عن مكان سكن آمن مع احد افراد الأسرة والاصدقاء المقربين ممن يمكن أن تلجأ اليهم في حالة تكرار العنف، والقدرة على استخدام والوصول للهاتف لطلب النجدة من (الشرطة، والجيران، والأقارب)، والعمل على اخفاء جميع المواد الحادة التي يمكن استخدامها من قبل المعتدي، وتشجيعها لتجهيز اغراضها اذا قررت الهرب من العنف وترك المنزل (الاوراق الثبوتية والشخصية لها ولأولادها، وبعض الملابس والادوية التي تستخدمها..)، إذا شعرت أن المعتدي سيمارس العنف ضدها، فتبحث عن اقرب مكان يمكن للجيران رؤيتها من خلاله حتى يستطيعوا سماعها وتقديم المساعدة لها. 

وأشارت خليفة الى وجود برامج لتسهيل مساعدة النساء للوصول للعدالة مثل برنامج محور للارشاد القانوني الموجود في طولكرم، ونابلس، ودورا، ويطا، وبيت لحم، ويترافع قانونيا في قضايا النساء المعنفات.

واستقبلت مراكز الحماية خلال عام 2015، 131 امرأة و24 طفلا من أطفال النساء ضحايا العنف، (26 امرأة و12 طفلا استقبلهم محور، 65 امرأة و5 اطفال للنساء استقبلهم البيت الآمن، و40 امرأة و9 اطفال للنساء المعنفات استقبلهم مركز الطوارئ).

وترى الصحافية منتهى خليل أن سبل الحد من العنف تجاه المرأة، تكون من خلال قوانين وتشريعات تمنح حقوقًا للمرأة وتمنع اي تعرض لها بما يؤثر على كرامتها، ولتكون متلائمة مع اتفاقية سيداو خاصة قانون العقوبات بحيث يحاسب كل من يعتدي على المرأة وان كان من طرف اسرتها، كزوجها او احد افراد عائلتها. 

 

وتؤكد رئيسة قسم العلاقات العربية في جامعة الاستقلال، الكاتبة الصحافية ناريمان شقورة ضرورة التوعية من خلال حملات مكثفة في المناطق المهمشة تحديدا عبر المجالس القروية والبلديات والمدارس بحيث تستهدف توعية النساء بحقوقهن التي منحها القانون. والعمل الجاد على تمكين المرأة في كافة مناحي الحياة ما سيشعر الرجل والمجتمع عموما بأنها عنصر مهم وفعال، وتكثيف العمل التوعوي في وسائل الاعلام المختلفة التقليدية والحديثة لنشر الوعي ورفع الغمامة عن عيون النساء بشكل خاص والكل بشكل عام حول الحقوق والواجبات والقوانين. 

والاهم -كما تقول شقورة- إعلاء الجانب الانساني للمرأة، وفضح كل الممارسات الشاذة وغير الطبيعية داخل الاسر كسلوكيات يعاقب عليها القانون وليس المقصود هنا الفضح بمعنى عدم احترام الخصوصية، بل احتضان الضحية وعدم جلدها بتعزيز ذكورية الرجل.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018