لقاء باريس.. تمخض العالم فولد وعدًا بمؤتمر سلام دولي!

 

 

لم تصل ردود الساسة الفلسطينيين حداً أبعد من "العتب" حول البيان الختامي لاجتماع باريس التشاروي، الذي دعت إليه فرنسا لبحث سبل إعادة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى مائدة المفاوضات، والنظر في إمكانية الدعوة لمؤتمر سلام دولي في أواخر هذا العام، رغم أن سقف المتوقع كان أعلى.

الإعلان الرسمي من باريس، جاء ليؤكد أن الاجتماع الذي عُقد بحضور ممثلين عن 28 دولة إضافة لجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة؛ كان أشبه بلقاء "عصف ذهني" انتهى بالتأكيد على وجوب الانتقال بقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى بر آمن من خلال العودة إلى المفاوضات الثنائية المتعطلة منذ عامين، خاصة وأن مستقبل حلّ الدولتين تُحيق به تهديدات حقيقية.

وقد ناقش المؤتمرون سبل الفرار من ذلك الخطر، وآفاقا يجب فتحها لتحقيق السلام قبل انهيار آفاق الحلّ، وثمناً يتمثل بـ"حوافز اقتصادية" و"ضمانات أمنية" تدفع الجانبين نحو إحياء محادثات السلام، وتجاوز أكثر العوامل إحباطاً كـ "التصعيد الميداني" و"التوسع الاستيطاني"، وفقا لبيان مشترك صدر مساء الجمعة.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت "أنقذوا حل الدولتين"، وأردف في مؤتمر صحفي أعقب اللقاء التشاوري، بالدعوة إلى تحرك عاجل لإحياء المفاوضات المستندة على ذلك الحلّ قبل فوات الأوان.

ولن يفوت الأوان بحلول نهاية العام الجاري على الأقل حتى لو استمر "العنف" و"الاستيطان"، هذا ما يتضح من إعلان آيرولت عن نية بلاده "الدعوة لمؤتمر سلام دولي قبل مطلع العام 2017".

إلا أن نهاية 2016 لن تحل وبيدها العصا السحرية، ولن يكون المؤتمر الضبابي المنتظر صندوق عجب، لا سيما مع تأكيد وزراء خارجية الدول المشاركة في اجتماع باريس أن حل الدولتين الكفيل بجلب الاستقرار والأمن؛ يجب أن يتحقق عبر التفاوض المباشر بين طرفي الصراع.

الطرفان لم توجه لهما دعوة لحضور اجتماع باريس، واكتفت فرنسا التي رعت الحدث بالإعلان عن توجيه موفدها لعملية السلام إلى المنطقة للقاء مسؤولين عن الجانبين وإطلاعهم على النتائج التي تم التوصل لها، والتي لم تلامس سقف الطموح الفلسطيني الذي يتمثل بالإعلان عن إطارٍ واضح وجدول زمني محدد لإقامة الدولة الفلسطينية.

وهذا ما دفع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي إلى اتهام "لاعبين كبار" -لم يسمهم- على الحلبة السياسية بخفض مستوى التوقعات المنصوص عليها في البيان الختامي لمؤتمر باريس.

وقال المالكي لوكالة الأنباء الفرنسية، إن تلك الجهات مسؤولة عن غياب الكثير من النقاط الأساسية في البيان، وهو ما تحدثت عنه إسرائيل صراحة بالإشارة إلى أن صيغة البيان الختامي للمؤتمر صدرت مخفّفة بالمقارنة مع المسودة الأصلية.

وأُعلن في وسائل إعلام عبرية، عن اتصالات أجراها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لطلب تخفيف صيغة البيان الختامي للقاء باريس، شملت زعماء ووزراء خارجية، بمن فيهم جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، الذي تبنت بلاده بالأساس موقفاً بارداً إزاء المبادر الفرنسية.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي، قالت لـ"الحال"، إن البيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية في باريس اتصف بالعموم، وافتقر لخطوات وأهداف حقيقية وخطة عمل ملموسة، رغم إعرابها عن امتنانها لقيام فرنسا بتنظيم اللقاء ورعايته.

وعابت عشراوي على البيان، أنه ساوى بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتجاهل التباين بين السلطة القائمة بالاحتلال وشعب يرزح تحت الاحتلال.

وطالبت بإسناد المبادرة الفرنسية إلى مرجعية قانونية واضحة، وتضمينها أهدافا معرّفة، وآليات تنفيذ ملموسة، والعمل على تشكيل نظام دولي للتحكيم والمراقبة والتقييم في حال تم استئناف المفاوضات، وأن يتم كل ذلك وفق سقف زمني ملزم لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، اعتبر لقاء باريس خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، ودليلاً على الإجماع الدولي حول رفض الوضع القائم على الأرض.

وحث عريقات الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ودول الاتحاد الأوروببي على الانطلاق من هذا الاجتماع بخطوات تلزم إسرائيل بنصوص القانون الدولي حتى ينتهي احتلالها للأراضي الفلسطينية.

وأكد عريقات، أن لدى القيادة الفلسطينية مقترحات من شأنها إنجاح الجهد الدولي المنتظر أن يثمر في باريس بمؤتمر سلام جديد، كتشكيل فرق عمل تضم الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى جانب سبع دول لمتابعة المفاوضات حول قضايا الحل النهائي، وتنفيذ الاتفاقيات إن تمت، نظراً لأن إسرائيل لا تلتزم بالأطر الزمنية.

وأضاف: "نواجه مُشكلة في السلوك التفاوضي مع إسرائيل، وهذا يحتم البحث عن آليات محدثة في إطار دولي جديد، قبل فوات الأوان وانتزاع جهات متطرفة السيطرة على المنطقة".

أستاذ الدراسات الإقليمية في جامعة القدس عبد المجيد سويلم، رأى أن نتائج لقاء باريس وإن لم ترق للمستوى المأمول؛ إلا أنها لم تخالف توقعات القيادة الفلسطينية، بل على العكس أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية، وأكدت على مرجعية قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية وحلّ الدولتين، كسبيل لإنهاء الصراع.

وقال لـ"الحال": "لا أحد يرجو أن تصدر عن اجتماع دولي يحضره 28 طرفاً نسخة كربونية بقائمة المطالب والحقوق الفلسطينية، المهم هو الجوهر المتمثل بإعادة الاهتمام بالقضية والحلّ".

وشدد سويلم على أن انعقاد الاجتماع بحد ذاته يمثل نجاحاً فلسطينياً، لأن إسرائيل منيت بهزيمة بعد فشلها في مساعي إفشال المبادرة الفرنسية بالتعاون مع حليفتها الولايات المتحدة.

واستبعد أن يكون للدور السياسي الذي اضطلعت به فرنسا مؤخراً أي تداعيات على مشروع قرار يدين الاستيطان، أجلت قيادة السلطة الفلسطينية طرحه في مجلس الأمن تفادياً لتشكيل خطورة على المبادرة الفرنسية.

وأضاف: "ستنتظر القيادة حتى الخريف أو الربيع المقبلين إلى أن تتضح معالم المبادرة الفرنسية، وحينها ستقرر إن كان مشروع القرار في مجلس الأمن ضرورياً".

ويعتقد مدير البحوث في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات" خليل شاهين، أن القيادة الفلسطينية ضيعت على نفسها فرصتين ذهبيتين، كانتا لتزيدا من حجم التأثير على المجتمع الدولي نحو تبني صيغة أكثر قيمة من تلك التي خرج بها بيان الاجتماع التشاوري في العاصمة الفرنسية.

وقال لـ"الحال": "لو دعمت القيادة الفلسطينية الهبة الشعبية الأخيرة وقوتها وأظهرت أنها تعكس حالة الشارع الفلسطيني المتأزم بسبب جمود العملية السياسية، ولو قامت بتطبيق قرارات المجلس المركزي الخاصة بتحديد العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، لكان الوضع مختلفاً، ولأصبح المجتمع الدولي يتعامل بجدية أكثر مع القضية الفلسطينية ومستقبل الحل النهائي".

وأضاف أن سوء تقدير الموقف بشأن لقاء باريس الأخير، يتطلب تحركاً سريعاً للحد من الأضرار التي ترتبت على ظهور إسرائيل بصورة قوية وذات نفوذ قادرة على استمالة موازين القوى الدولية، رغم أنها أعلنت مبكراً رفضها لفكرة الدعوة إلى مؤتمر سلام جديد، باعتباره مضيعة للوقت.

وبحسب شاهين، فإن تغير المسار والعودة إلى تبني الفرص الضائعة لم يعد ممكناً، لأن الوسائل التي يمتلكها المستوى السياسي الفلسطيني لا تتغير، فهو يصر على المفاوضات كسبيل وحيد لانتزاع الحق بالدولة الفلسطينية المستقلة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018