فتيات من الصم يحوّلن ألعابهن إلى أفلام رسوم متحركة

 

 

"وأنا صغيرة، كانت "المعجونة" ملاذي الوحيد في هذا العالم، وكانت مفضلة لأنني أشكل مجسماتي المفضلة التي أغنتني عن الكلام وعن سماع ما يجري من حولي. لم أقلق لاتساخ يديّ أو المكان المحيط بي، حتى صراخ امي في وجهي الذي كان هدفه أن اترك لعبتي المفضلة لم يهمني. امي كانت تستخدم معي لغة الإشارة؛ أصابعها تلوح في كل الاتجاهات، لو أن أحدًا من بعيد نظر إليها لقال: إن هناك مصيبة حلت بالمكان، فضلاً عن ذلك، شد أسنانها على شفتيها لتوصل لي رسالة بأن هذه التفاهات لن تفيدني! هذه الحركات التي كنت لا أحبها أتذكرها وكأنها كانت البارحة، وها قد مضى عليها اربعة وعشرون عامًا، لأعود لتلك المعجونة، ولكن بصورة أخرى، فأنا فاقدة للسمع والنطق منذ ولادتي، وأصبحت أستخدم تلك المعجونة لأعبر بها عما يجول بداخلي في زمن أصبحت به الكتابة أحرفًا تقرأ ولا يحس ببعض حروفها، والكلمات المسموعة أصبحت خرساء أمام كثير من السامعين". 

هكذا بدأت (ن.أ) قصتها، فقد تعلمت في مدرسة الاتصال التام التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني وأنهت الثانوية العامة، لكن لم تكمل تعليمها الجامعي، بل حرصت على التسجيل في أي دورات تنمي مهارتها، وهي الآن ضمن فريق ودورة الرسوم المتحركة باستخدام المعجونة التي كنت أحبها وأنا صغيرة، وهي عبارة عن تكوين شخصيات متحركة ونحتها. 

وأضافت: "تلك الدورة جعلتني أعبر عن شخصيتي وتخيلاتي التي لم أستطع أن أعبر عنها بلغة السامعين، فضلاً عن أنها نمّت لدي روح العمل الجماعي أنا وصديقاتي في التواصل مع المدرب الاجنبي، وايضًا إعطاء دورات مماثلة من خلالنا لمدارس اخرى، فقد مدت لنا يد القوة لكي نثبت للمجتمع بأننا جزء لا يتجزأ منه".

وقالت (ن. أ) لـ "الحال" ببضع كلمات كتبتها على ورقة ونطقتها بلغة الإشارة: يجب أن يشعر المجتمع أننا لسنا عالة عليه، نحن فقط نطالب بحقوقنا، كالعمل في مؤسسات ومراكز وجمعيات، وأن ينظر إلينا على أننا لسنا ضعفاء وضعوا في زاوية سوداء من هذا العالم.

يقول المسؤول عن دورة الرسوم المتحركة والمتخصص في تعليم الرسم والانيميشن منذ اثنين وعشرين عاما غاري روسبوروغي: هذه الخطوة كانت بدايتها في مدينة الناصرة لفئة كبار السن لكنها لم تنجح، لأسباب منها ان تلك الفئة لم تلتزم بموعد الدورة بسبب انشغالها بأعمالهم اليومية. فقرر المجلس الثقافي البريطاني الممول الرئيسي لتلك الدورة البحث عن أماكن وفئات أخرى في الضفة الغربية، وتم البحث عن مدارس لإعطاء تلك الدورة، ومن خلال البحث تم التوصل إلى مدرسة الاتصال التام للصم والبكم التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني. 

ويضيف: الرسم واستخدم المعجونة وسيلة لإيصال رسالة "ذوي الاحتياجات الخاصة" لي وللعالم من خلال تحويل المعجونة إلى مجسمات وبعدها تُحول الى قصة يتم تصويرها وتحويلها لمقطع فيديو لا يتجاوز خمس دقائق.  

وأكد أن هدف الدورة تعزيز ثقة المتدربات بأنفسهن وبقدراتهن وتمكينهن كمتدربات يدربن طلابًا في مدارس أخرى، ليس فقط لذوي الصم والبكم أو ذوي الاعاقة بشكل خاص، بل وللسامعين أيضًا، وقد تكون هذه الدورة مستقبلاً مصدر رزق لهن.

وقالت منسقة وحدة لغة الإشارة في الهلال الأحمر ومترجمة لغة الإشارة أسمهان عصفور إن الدورة التي تشارك بها اثنتا عشرة متدربة من فئة الصم فتحت مجالاً لإطلاق العنان لهن للتعبير عن انفسهن وواقعهن وخيالهن أيضًا، ومن الامثلة على تلك الرسومات التي تم العمل بها، موسم قطف الزيتون، والاحتلال الإسرائيلي.

وأضافت أن هناك أفكارًا كثيرة لدعم المتدربات تحتاج تمويلاً للتطبيق والتنفيذ، فضلا عن ذلك، نحتاج لفتح المجال لدمج الشخص الاصم في المجتمع وخصوصًا سوق العمل.

وتؤكد الأخصائية النفسية في جمعية الهلال الأحمر دعاء يونس أن الشخص الأصم يجب أن يتمتع بحياة كبقية المواطنين، ويعتمد ذلك بدايةً على الأسرة، فهي التي يجب أن تكون الدافع القوي له ولا تميزه عن غيره، فمن هذا المنظور، فإن الشخص الاصم لن يشعر أنه شخص عالة أو غير مرغوب به، وانما جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018