عروسان مع وقف التنفيذ

 


ثلاثة عشر عامًا وهما ينتظران. حطما عبر هذه السنين الطويلة ما استطاعا بقدرتهما على الانتظار، تحملا الصبر، تغيرت معالمهما، وكبرت وجوههما، وزاد عمرهما، وما هُزما.

جاءت إليه باللون الوردي، بابتسامة شقت طريقها إلى أسنانها البلورية، وهو تمر عليه الدقيقة ستين عاماً، يلبس الملابس ذاتها عند كل زيارة، قميص وبنطال بلون بني كظلام السجن، وظلم السجان.

خمس دقائق بمثابة عمر بالنسبة لهما، لأجل سلام باليد وحضن دافئ، وحديث متقطع من لهفة اللقاء، التقطا صورة تذكارية لأول مرة، قبل أن يصرخ السجان: انتهت الزيارة. 

مخيم جنين غرب مدينة جنين أصل الحكايات، ومنبت الثوار، في أزقّة هذا المخيم الثائر، ترعرع خليل وسوسن، خليل مصباح توفي والده وهو في بطن والدته، فتولى دور الأب ليعيل إخوته الصغار آنذاك، وعند بلوغه سن الثالثة عشرة، توفيت والدته في معركة خاسرة مع المرض، فكافح خليل ليعيل أسرته في ظل غياب الوالدين. 

عند بلوغه سن التاسعة عشرة، خفق قلبه لسوسن زيدان، ابنه السابعة عشرة، وهي اليوم معلمة تربية ابتدائية في إحدى قرى مدينة جنين. اجتمع الحب في قلبين وخاتمين وفرحة الأهل، في العاشر من شهر آذار عام 2003.

لكن الاحتلال لم يسمح بتكليل الحب ببيت بسيط وأطفال، بل قيده بسجن وعتمة ليل، اعتُقل خليل بعد شهرين من الخطوبة، وحكم عليه بالسجن عشرين سنة وأحد عشر شهرًا وتسعة وعشرين يومًا، فكان كرمًا من الاحتلال بأن انقصوا يومًا واحدًا، حتى لا يدخل في خانة الأحكام المؤبدة.

الدقائق والساعات الأولى، الأيام، الأشهر والسنين، مرت في البداية كأيام عصيبة ولا أحد يعرف وجعها سوى سوسن وخليل، هذه السنين أصبحت اليوم ثلاثة عشر عامًا، بقيت قرابة سبعة أعوام.

وحسب إحصائيات نادي الأسير فإن عام 2016 بدأ وعدد الأسرى في سجون الاحتلال 7000 أسير فلسطيني، موزعين على 22 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق، إلى جانب معتقلي "عتصيون" و"حوارة" الاحتلاليين. 

سبعة آلاف حلم هدمها الاحتلال دون اكتراث، فرّق الأحبة؛ الأب عن فلذه كبده، الأم عن ابنتها، والصديق عن صديقه.. إلخ، إلا أن هذا الحلم مفعم بأمل الانتظار وتحقيق المراد.

رغم كل ذلك، فإن سوسن انتظرت ثلاثة عشر عامًا، وستنتظر ما تبقى.

وتقول سوسن إن خليل يعاني من التهابات حادة في الأمعاء بسبب أكل السجن غير الصحي، ومع تراكم الألم بسبب إهمال العلاج من قبل إدارة السجن، تفاقم وضعه الصحي، فأُجريت له عملية لقص جزء من الأمعاء والقولون، ولم يقدم له بعد العملية أي مضاد حيوي، وأعيد للسجن قبل أن يمتثل للشفاء، ونتيجة لذلك، التهبت العملية والأمعاء مرة أخرى.

وتؤكد سوسن أن وضع خليل الصحي يزداد سوءًا في السجن، فقبل سنتين أجريت له عملية لفتح شريان في رقبته، وهي تجرى لأول مرة في إسرائيل، أجراها له ثلاثة أطباء بدرجة بروفيسور في مستشفى سوروكا في بئر السبع، وأعاد الأطباء العملية ثلاث مرات حتى نجحت.

وتضيف: يعاني خليل من الحساسية من البنسلين، لكن بسبب إهمال الأطباء لوضعه الصحي، فإنهم لم يطلعوا على ملفه الطبي، وأعطته الطبيبة حبتي بنسلين، فتفاقم وضعه الصحي حد الخطر على حياته، وحينها تم نقله بسرعة إلى الطوارئ، وحينها وبسبب التوتر الذي ساد في المستشفى ورؤية الأسرى له لحظة نقله، شاع خبر استشهاده".

عن ردة فعلها عند سماعها الخبر، قالت: إنها لم تشعر بشيء في قلبها، ولم تكترث البتة، وربما اكترثت ولكن لم تُظهر ذلك. إلا أن هذه القوة بداخلها قد تضعف قليلاً في أصعب اللحظات، وذلك لحاجتها لسند تستند عليه لتتحمل ويلات الزمن، فبعد اعتقال خليل بسنة، استُشهد شقيقها أحمد زيدان في التاسع عشر من آذار، الذي تربطه علاقة وثيقة بخليل، فهو الأخ والصديق.

ولعل ما يجسد هذه العلاقة وهذا الحب الأخوي، الصور التي تجمعهما التي زينت أغلبية جدران منزل والدها، هنالك على الحائط الأيمن تجد صورة لخليل واضعاً يده أسفل ذقنه، يقابله أحمد حاملاً سلاحه بيده، وقبعة بلون أخضر قاتم، وصورة أخرى تجمعهما سوياً متعانقين. 

يوماً ما، ربما غداً، ستوضع صورة لخليل وسوسن معاً من عرسهما، هنالك يوم يرتقبه خليل لعله طوق النجاة ليتنفس الحرية. تقول سوسن: "يحدثني خليل كثيراً عن شوقه للحرية وأمله في كل صفقة لتحرير الأسرى، وهذا أمل كل أسير، فهم عايشوا الحرمان بأقسى ظروفه وتفاصيله وأنواعه، ففي رمضان يتساءلون كل يوم عن فطور أهلهم والشوق يعصر أفئدتهم للاجتماع بهم في مثل هذه الأيام".

هذا الأمل الذي يصنعه خليل هو روح الحياة ومفتاح الصبر على السجن والسجان. أما سوسن، فرسالة خليل لها: عيناكِ بلون قوس قزح، وسماؤكِ صافية جداً، امشي معه نحو الربيع وإن لم يكن موعده، وقولي ما أجمل الربيع وأنت هنا، وأعطيه يدك الصغيرة لينسى كم هو منسي.

 

* طالبة لغة عربية وإعلام في الجامعة العربية الأمريكية

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018