زنازين وغرف تعذيب تحت أجنحة الكتب.. لمن ولماذا؟

 

إنها مفارقة عنيفة قطعا أن يكون السجن مجازا وحقيقة، ومفارقة جارحة حتما أن ترى السجن مجازا وأنت الذي عايشته أعواما وأعواما، إن ثنائية السجن والسجان تحاكي ثنائية الحاضر والذاكرة إذا تعلق الأمر يوما بالاعتقال الفعلي. كل هذه المفارقات نجح معرض فلسطين الدولي للكتاب في تجسيدها بزاوية فضاء الحرية.

تلك الزاوية تربعت على مساحة 300 متر مربع من أرض المعرض، وقسمت إلى زنازين وغرف مشابهة حد التطابق لغرف وزنازين الاعتقال الحقيقي. كانت الغرف عبارة عن غرف للعزل لا تتسع إلا لشخص واحد وقد يكون واقفًا فقط، وأخرى للتحقيق بكرسي خشبي وطاولة، بالإضافة لغرف العصافير التي تختص بحياكة المقالب التي قد تنجح أحيانا بالإيقاع بالمعتقل وسحب اعترافات منه، و"براد" يعزل به المعتقل وهو شديد البرودة، بالإضافة لساحة متخصصة بالتعذيب والشبح ومزودة بأدوات تحاكي الأدوات الحقيقية التي تستخدم لتلك الأغراض.

وبتلك الغرف والزنازين، نجحت مسؤولة هذه الزاوية ميساء الخطيب بتعريف الزوار بها عبر التنقل والشرح المستفيض والمؤلم أحيانا لكل حجز وزاوية في هذا الفضاء الذي اعتبرته ضروريا لمحاكاة الواقع الاعتقالي وتصويره وتجسيده حتى يتسنى للفلسطيني والقادم لحضور المعرض أن يرسم صورة ذهنية بعقله للواقع الذي عايشه المعتقلون وللآلام التي تعرضوا لها وما يزالون، هذا عبر سبر أعماق هذه التجربة وتقديمها للمواطن الفلسطيني دون الحاجة ليعايشها بشكل فعلي.

إن القادم لحضور هذا المعرض الدولي الذي ضم ما يربو على النصف مليون كتاب، قد لا يدرك أن أسفل هذا المعرض توجد زنازين تحاكي الواقع، وأنه يمكن للفلسطيني أن يرى تجربة الاعتقال ويتصور عذاباتها، دون أن يضطر إلى مواجهة الاعتقال الفعلي وخوض التجربة الفعلية.

وفي لقاء لصحيفة "الحال" مع الأسيرة المحررة إيمان نافع زوجة الأسير نائل البرغوثي، التي قضت ما يقارب التسع سنين في المعتقل، أكدت أنها عندما رأت هذا المكان رجعت تسع سنوات إلى الخلف بذاكرتها، حيث شعرت للحظة أنها غير قادرة على الخروج من بين تلك الزنانين، وغير قادرة على الخروج للمعرض حتى، وكأنها اعتقلت من جديد، وفرضت عليها الإقامة في هذه الزاوية وعدم الخروج للعالم الفعلي من جديد.

الشعور لم يكن سهلاً لأسيرة أمضت سنوات من الاعتقال، فبمجرد الدخول في هذا الفضاء تبدأ الصور بالتزاحم في المخيلة: هنا كانت أمي وقت التحقيق، في هذه الغرفة أصيبت أمي المريضة بحالة إغماء وكنت أصرخ فلم يستجب أحد، لم يسعفها أحد، في غرف أخرى أرى وجه زوجي الأسير نائل البرغوثي، في كل مكان أسمع أصوات الأسرى وصراخهم، بالتأكيد لم يكن الشعور سهلا.. بهذه الكلمات وصفت إيمان شعورها وتدفق الصور الهائل في ذاتها لحظة دخولها لهذا الفضاء الذي نجح بأسرها مجازا هذه المرة.

 

دموع عائشة

وفي سياق حديثنا عن هذا الفضاء، استذكرت إيمان موقفا ظل محفورا في ذاكرتها، لحظة دخول الأسيرة المحررة عائشة عودة التي لم تتمالك نفسها بعد رؤيتها لهذا الفضاء، فلم تتمكن من كبح جماح الصور الذهنية التي بدأت بالتزاحم في مخيلتها، مترجمة ذاتها بدموع انهمرت بلا مقدمات، عائشة تلك الأسيرة التي كانت ترى نفسها بكل زاوية من هذا المكان، تسمع صوتها وصراخها مع كل خطوة تمشيها، تنهال الصور كالمطارق مع كل خطوة إلى داخل زنزانتها وعرفة التحقيق.

لم تنسَ ايمان مشهد غرفة العصافير، تلك الغرفة التي كانت في عالم الحقيقة مقابلة لزنزانتها، مستذكرة محاولات الاحتلال الكثيرة رسم وصياغة أفلام قد ترغم الأسرى على الاعتراف، عبر شبكة ممن يسمون العصافير والذين يلعبون دور المناضلين لانتزاع الاعترافات من المعتقلين.

كانت إيمان تعتقد أنها تعايشت مع النسيان وانتصرت على تلك الذكريات، لكنها أدركت أن النسيان لا يمكن أن يكون فلسطينيا، فالفلسطيني تحت الاحتلال لا يستطيع أن ينسى، فما زال هناك الكثير من النساء والأطفال والرجال أسرى في زوايا حقيقية مشابهة لهذا الفضاء المجازي، بالإضافة إلى كون معظم أفراد عائلتها وعائلة زوجها من المعتقلين ابتداء من الأم والأخ وليس انتهاءً بالزوج.

وإيمان نافع هي زوجة الأسير نائل البرغوثي الذي يعتبر عميد المعتقلين الفلسطينيين ممضيًا ما يربو على 35 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

 

قميص أحمد ياسين

في "زاوية فضاء الحرية"، تم تخصيص زوايا غير الغرف والزنازين، حيث شمل هذا الفضاء على بعض منتجات والمقتنيات للأسرى مثل قميص الشيخ أحمد ياسين وأغراض الأسير نائل البرغوثي، وغيرها من المقتنيات والمذكرات للأسرى الفلسطينيين.

هذا الفضاء جاء جزءًا من معرض فلسطين الدولي للكتاب الذي نظم في أيار المنصرم بحضور ممثلين ووفود من الدول العربية الشقيقة، تحت شعار "فلسطين تقرأ" الذي استمر أسبوعين بتنظيم من وزارة الثقافة الفلسطينية عقدت خلالهما العديد من الندوات والمحاضرات الأدبية بالإضافة إلى لقاءات كثيرة مع أدباء وكتاب على الصعيدين الفلسطيني والعربي، وزوايا خاصة بالمعارض التصويرية والأطفال.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018