"حكي القرايا".. قرية تراثية يقطنها 14 ألف فلسطيني في "فيسبوك"

 

أضفت تجربة "حكي القرايا" صبغةً مميزة في صون التراث الفلسطيني عبر أساليب غير تقليدية. ثلاثة أشخاصٍ اجتمعوا قبل ثلاث سنواتٍ ليُخرجوا الى النور قرية افتراضية في فضاء موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، يقطنها أكثر من 14 ألف فلسطيني، يجمعهم حب التراث وعشق موطن الأجداد، والرغبة في تشرب التاريخ والحرص على احياء الموروث التراثي والثقافي الفلسطيني بأشكاله المتعددة.

يروي أحد مؤسسي مجموعة حكي القرايا الدكتور شاهر عفونة بداية الفكرة: "قبل نحو عامين تبلورت فكرة انشاء القرية الالكترونية خلال جلسة مع صديقَين هما: داود الديك وفريد طعم الله، حيث وجدنا حاجة ملحة في استذكار أيام الماضي الجميل، زمن بساطة الآباء والأجداد، إضافة لضرورة استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في تعريف الجيل الجديد بحضارة بلده وتراثها وعاداتها وحتى قراها، من أجل ذلك انطلقت المجموعة الالكترونية".

ويضيف عفونة: "في المجموعة توجد نسوة يتخصصن في فقرة مطبخ القرايا وينشرن دوريا كل يوم اثنين الاكلات والمشروبات والحلويات الشعبية ومقاديرها وكيفية اعدادها، وهناك اللجنة الثقافية التي تنشر مواضيع تثري المعرفة، أما اللجنة الفنية فتضم رسامين وزجّالين شعبيين، والتفاعل عبر الكتابة مفتوح لكافة الأعضاء".

أول أنشطة القرية في خدمة التراث عبر فضاء موقع التواصل الاجتماعي كان "قاموس القرايا"، وفي هذا الصدد يوضح عفونة: "القاموس يُعنى بجمع مصطلحات اللهجة المحكية في القرى، وترتيبها وفق الحروف الأبجدية، وتوضيح معنى كل كلمة عامية وسياقها، ورحب كثيرون بالفكرة نظرا لتميزها"، ويتابع: "التفاعل مع المواضيع والقضايا المطروحة للنقاش مميز جداً، وبالنسبة للمضامين المنشورة فهي تدور حول كل ما هو تراثي، من أكلات شعبية ولهجاتٍ وأزياء قديمة، ومواسم زراعية، ومعدات وأدوات قديمة، وحتى أمثال شعبية، ولا يوجد خروج عن سياق هذا الموضوع".

المتخصص في شؤون التراث عوني ظاهر يشير إلى أن معظم الأعضاء في "حكي القرايا" وجدوا بعد فترة أنفسهم بحاجة للعمل على الأرض، وتنفيذ أنشطةٍ وطنية وثقافية لكن بصبغة تراثية.

"كل شيء مرتبط بالأصالة والموروث القديم في بلادنا، فالزراعة لها تقاليد تماماً كالصناعة والأرض والأفراح والأتراح، لذلك فالأنشطة على الأرض تكون واسعة ومتميزة"، وفق ظاهر.

ويرى ظاهر عدم وجود تعارضٍ بين روح العصر وموروث الأجداد، لأن القائمين على المجموعة نجحوا في تسخير التطور التكنولوجي لخدمة صون التراث والتقاليد، وهذه تجربة رائعة خاصة للجيل الجديد، حيث تقتطع التكنولوجيا جزءا كبيرا من الحياة اليومية للفتية والشباب.

في ياصيد قرب نابلس، يمتلك ظاهر متحفاً منزلياً يمتاز بندرة محتوياته التراثية وتعدد أنواعها ما بين ملابس ومعدات زراعية ووثائق تاريخية، يقول إنه وجد في "حكي القرايا" ضالته لضمان انتشارٍ أوسع لمحتويات متحفه، حيث يمكنه اليوم التعريف بها ووضعها بين يدي 14 ألف فلسطيني بعد أن كان يعرضها لبضع آلاف فقط عبر صفحته الشخصية.

عن النقلة النوعية على الأرض وباكورة الأنشطة، يشرح عفونة: "لم نكتف بالتجوال في العالم الافتراضي بل كان لدينا اصرار على توسيع دائرة التفاعل ونقل التجربة للواقع، فلجأنا لاساليب متنوعة أبرزها الرحلات نحو القرى والمناطق البعيدة والمهمشة، وكذلك المعالم الأثرية والتاريخية، وكل رحلة لها جدول معين يضمن توفر الترفيه والاستجمام من جهة والمعرفة وزيارة المعالم المميزة وحتى دعم صمود المناطق التي ينهشها الغول الاستيطاني".

ويعود عفونة في سياق حديثه لأول نشاط نظمته "حكي القرايا" على الأرض: "في 28 آذار 2015 انطلق نحو ألف شخص لمحمية وادي قانا الطبيعية التي تعاني من سياسات الاحتلال الاستيطانية، وتكسو المستوطنات جبالها، وحققت الرحلة أكثر من هدف، حيث جمعت ما بين الاستجمام والتجوال في جمال الطبيعة، ودعم المزارعين عبر اثبات الوجود الفلسطيني في المنطقة، وأيضا كان هناك مهرجان تراثي شمل وصلات زجلية تراثية وفرقة للدبكة الشعبية  وكان التفاعل مميزا من الجماهير، وحتى إن المواطنين الذين كانوا متواجدين بالصدفة شاركونا في المهرجان، ورفعنا الاعلام الفلسطينية على أشجار وادي قانا في وجه المستوطنات".

"أحد الأصدقاء التقى بصديقه في رحلة وادي قانا، ولم يكن قد رآه منذ سنوات طويلة، كان هذا الأمر مبهجا للجميع، والنشاطات كذلك تعد فرصة سانحة للتعرف على أشخاص جدد مميزين، أيضا نفذنا حملة طرود غذائية على الأسر المتعففة خلال العام الماضي ولاقت نجاحا باهرا، ونطمح لجعل حكي القرايا أكثر تأثيرا وأوسع جمهورا مستقبلا"، وفق عفونة.

 يؤكد عفونة أن مؤسسي "حكي القرايا" سيعملون قدر المستطاع لتحويلها لما هو أشبه بقرية حقيقية، مشيرا الى أن بداية شهر أيار شهدت مرور الذكرى السنوية الثانية على تأسيس المجموعة، واحتفل المئات بالذكرى من خلال الرحلة الخامسة من نوعها، وشملت خمسة مواقع ومعالم في محافظة جنين.

"توجد نية لتنظيم انتخابات لاختيار المجلس القروي في القرية الالكترونية بهدف اختيار ممثلين قادرين على تنسيق العمل ووضع الخطط، والحفاظ على النظام وتطبيق قوانين المجموعة، في ظل الازدياد المطرد لعدد الأعضاء"، بحسب عفونة.

المجموعة وضعت على أجندتها في السنة الثالثة لانطلاقها تسويق المنتج المحلي الفلسطيني خاصة الزراعي منه، عبر رحلات جماعية وتنظيم معرض منتجات واعتماد "المعونة" لمساندة المزارعين في قطف الزيتون خلال الموسم القادم إضافة لمبادرات أخرى، كما أفاد عفونة.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018