جرائم تسريب الآثار.. اتجار بالذات وبيع للجذور

 

 

تعتبر الآثار إثباتاً للهوية وشاهدا حيّا على الإرث الإنساني المنتسب لجذر الحضارات التي صنعها البشر على مدار التاريخ. وتسطُع أهمية الآثار وتبرز إذا ارتبطت بقضية بحجم فلسطين ومأساتها وما تتعرض له من المؤسسة الصهيونية ودولتها الاستعمارية، ذلك أن التاريخ والآثار في فلسطين جزء من أدوات الصراع لإثبات الأحقية التاريخية بهذه الارض.

في هذا التقرير، تقف "الحال" على سرقات آثار وبيعها للإسرائيليين، في جرائم تضرب عميقا في الهوية الفلسطينية، وتخدم مصالح المستعمرين الذين طالما بحثوا عن آثار تثبت احقيتهم على هذه الارض. 

 

نهب الذات

يقول أحد العاملين في التنقيب عن الآثار (ت. م) من بلدة عقربا بمحافظة نابلس إنه مضطر للعمل في هذا المجال لأنه لا تتوفر لديه أية فرصة عمل أخرى، مضيفا أنه يبيع ما يجده لتجار محليين من مدينة نابلس أو القدس وبأسعار مقبولة، لكنه لا يعلم الجهة التي يبيعون لها، ويقول إن عملهم صعب وهم يخاطرون بحياتهم أحياناً والأمر متعب وشاق لكن فيه (فائدة)، على حد قوله، وهو يعمل مع اثنين آخرين منذ سنوات في هذا المجال.

وحول الأصناف الأثرية التي يجدونها، فقد ذكر (ت.م) أنهم يعثرون على "الفخار والمكاحل والمدامع وبعض العملات المعدنية، وخرز القلائد وأدوات الزينة، وتوابيت وأرضيات الفسيفساء، بالإضافة لحجارة منحوتة ومنقوشة بشكل جميل وعليها بعض الكتابات غير المفهومة".

 

سرقة منظمة

ويؤكد خبير الآثار الفلسطيني د. حمدان طه أن هناك ظاهرة اتجار غير مشروعة بالآثار الفلسطينية، وتقوم عليها عصابات منظمة للتنقيب غير الشرعي والاتجار غير المشروع في الأراضي الفلسطينية، وهي تستمد جذورها من بعض مظاهر الجهل في المجتمع الفلسطيني، ومناخ الحماية الذي يوفره الاحتلال الإسرائيلي  بهدف نهب الموارد الأثرية للشعب الفلسطيني، خصوصا في المناطق المصنفة ج - حسب الاتفاقية الانتقالية- التي تضم حوالي 40% من مساحة الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال المباشر، وهذا لا ينفي مسؤولية الاحتلال عن عمليات النهب والاتجار وحماية "اللصوص"، في المناطق المصنفة "أ" و "ب" ايضا التي تقع تحت الاحتلال غير المباشر. 

ويقول د. طه إن هناك دوافع مادية وراء انتشار هذه الظاهرة؛ دوافع  يغذيها الحلم بالثروة السريعة لدى بعض الناس البسطاء، وفئة أخرى من الناس الذين يريدون الحصول على الثروة دون عناء.

ويؤكد أن هناك جماعات منظمة تقوم بالتنقيب مزودة بخرائط ومعدات كاملة وحديثة، ويحصلون عليها من جماعات متخصصة في تجارة الآثار وتهريبها للخارج.

 

دور السلطة

ويجمع الفلسطينيون على اعتبار الآثار ثروة وطنية يجب التمسك بها. ويؤكد محمد جرادات من دائرة الآثار العامة في وزارة السياحة والآثار أن التنقيب عن الآثار ممنوع رسميا في الأراضي الفلسطينية حسب اتفاقية لاهاي الرابعة، معتبرا كافة أعمال التنقيب في الأراضي المحتلة في 67 حتى اليوم تجاوزات وخروجا عن القانون الدولي، بما في ذلك الحفريات التي تنظمها دولة الاحتلال.

ويقول جرادات إن وجود الاحتلال وغياب القوانين الرادعة وحالة الفوضى الأمنية أدت إلى فقدان السيطرة على بعض المواقع وتعرضها لأعمال السرقة والتدمير، خاصة المواقع التي تقع في مناطق تديرها السلطات الصهيونية  في مناطق "ب" و "ج" حسب اتفاق أوسلو سنة 1993، والتي تحتاج الوزارة لأخذ موافقة من الجهات الإسرائيلية للوصل إليها وإيقاف اللصوص فيها ومنع عمليات السرقة والتخريب.

ويشدد المسؤول في دائرة الآثار العامة على أن وزارة السياحة والآثار تقوم بدورها الكامل ضمن إمكاناتها المتاحة، فهي تقوم بملاحقة التجار المشتبه ببيعهم مواد أثرية للاحتلال، وتقوم بإبلاغ الجهات المختصة.

 

غياب العقوبة الرادعة

يشار إلى أن كثيرا من الدول ربطت سرقة آثار وخيرات الأمة بالخيانة الكبرى، ولهذا شرعت من القوانين ما يردع هؤلاء المتاجرين بخيرات وتراث شعوبهم.

ويقول مدير شرطة السياحة والآثار في رام الله المقدم سامر أبو عامر ردًّا على سؤال عن مدى فعالية دور شرطة السياحة والآثار: "نحن جهاز تنفيذي، مهمتنا تطبيق القانون والقانون المطبق فيما يخص السياحة والآثار هو القانون الأردني القديم الصادر سنة 1966. وهذا القانون غير رادع وغير كاف في معاقبة لصوص الآثار والمتاجرين بها، ولكن حاليا يجري العمل على قانون جديد يخص الآثار".

 

مستقبل مجهول

وعلى الرغم من اتفاق الجميع على خطورة الظاهرة واستحضار نماذج وأمثلة كثيرة على الاتجار وتخريب المعالم، إلا أننا نبقى أسرى لردة الفعل في ظل غياب القانون الرادع والحقيقي وفي ظل سيطرة الاحتلال الفعلية على الأراضي الفلسطينية وتوفيره الحماية المباشرة وغير المباشرة للمنقبين وسارقي الآثار في الأراضي المحتلة.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018