بعد غيابها ثلاثة عقود.. سينما في غزة

 

كان حدثًا فريدًا أن تُعرض مجموعة من الأفلام التي تتخذ من قضايا حقوق الإنسان مادة لها، ويكون المتفرجون من غزة؛ هذه البقعة الجغرافية المغلقة من أقصى شمالها حتى جنوبها، التي تُنتهك فيها أبسط الحقوق، بينما العالم لا يعدو كونه متفرجًا.

رغم ذلك، كانت عبارة "ليس أفضل من غزة"؛ هي ما هتف به مجموعة من الكتّاب والمخرجين حين تشاور خليل المزين مع أصدقائه؛ بشأن التخطيط لإقامة النسخة الثانية من مهرجان السجادة الحمراء في غزة.

لم يكن تنفيذ الفكرة بالأمر السهل، فقد جرت الاستعدادات رغم التعقيدات التي اعترضتهم، وكان أبرزها مكان المهرجان والأفلام المعروضة فيه. يقول خليل المزين مدير المهرجان: "تفاوضنا كثيرًا مع الأمن بشأن اختيار المكان، حيث أردنا أن يكون في العراء، في ميناء غزة، لكنهم لم يوافقوا"، فاضطر منظمو المهرجان لاختيار مكان مغلق. ويعلل المزين رغبته في إقامة المهرجان في ميناء غزة: "أردت أن نصرخ بحقوقنا، بحقنا في ميناء وبحر أكثر من مجرد 12 ميلا"، في إشارة إلى هدفهم حين أُقيمت النسخة الأولى للمهرجان في العام الماضي على أرض حي الشجاعية المدمر بفعل العدوان الإسرائيلي 2014، وهو التأكيد على حق الغزيين في إعادة الإعمار.

فُرشت السجادة الحمراء على مدخل مركز رشاد الشوا الثقافي، وسار عليها ما يزيد على ألف شخص، ساروا أيضًا بمحاذاة بوستر كبير حمل عنوان المهرجان "بدنا نتنفّس"، وجميعهم كانوا يتنفسون والبهجة على وجوههم، متشوقين للجلوس أمام شاشة كبيرة من عتمة ونور، تعرض لهم حكاية الفنان الفلسطيني محمد عساف.

بدأ المهرجان بعزف حيّ على البيانو أدته سارة عقل (16 عامًا) من معهد إدوارد سعيد، تلتها الكلمة الترحيبية وتسجيل فيديو لمداخلة وزير الثقافة الدكتور إيهاب بسيسو المتواجد في رام الله، ويُشرف على إطلاق فعاليات معرض فلسطين الدولي للكتاب، الذي أكد في كلمته عدم نسيان غزة من المشاريع الثقافية مهما بلغت ضراوة الحصار.

 

ظروف لا تشبه السينما

عُرض في البداية فيلم (THE IDOL)، ورغم الاختلاف الذي لوحظ على أحداثه، إذ يعرف الجميع الظروف الحقيقية التي عاشها محبوب العرب عساف، إلا أن الجمهور ظل حتى النهاية يتابع، رغم رداءة الصوت والرؤية في القاعة التي بقيت مضاءة خلال العرض، فحسب المزين، رفض الأمن أن تُطفأ القاعة بشكل كامل.

استمرت عروض الأفلام في قاعة الشّوا ليومين فقط، بينما استُكملت في قاعة سعيد المسحال التي خُصصت فيها المقاعد هذه المرة بطريقة تفصل بين الإناث والذكور، وأطفئت الإضاءة في القاعة، وهو ما صفق له الجمهور فرحًا وكأنها إضافة جديدة لم تحظ بها السينما من قبل.

شارك في المهرجان 30 فيلمًا عربيًا وأجنبيًا، تنوعت بين الطويل الروائي والقصير وأفلام الأنيميشن، جميعها تحكي عن الحقوق والقيم، وبهذا الشأن علق المزين "أردنا أن يرى أهل غزة أن المعاناة لا تقتصر عليهم، ويشاهدوا القصص الإنسانية القادمة من مختلف أنحاء العالم".

"اهتمام الناس وانجذابهم لمشاهدة أفلام تخص الانسان بغض النظر عن عرقه ودينه وجنسه، لهو دليل على احتفاظنا بالحس الفني رغم الويلات التي تحيق بنا"، قالت وسام ياسين، مشيرة إلى أن أكثر الأفلام التي حازت على اعجابها، فيلم "3000 ليلة"، و"سارة"، الذي صنعه فنانون من غزة وترى أن مستواه يضاهي الأفلام العالمية. 

وسام عويضة لم يتسنَّ له سوى حضور اليوم الأخير قال "ليتني تمكنت من المتابعة منذ البداية، لكن الفيلم الأخير "سارة" كان حقيقيًا، وهو مميز على صعيد السيناريو والتمثيل والاضاءة"، وأضاف: "فكرة أن يكون في غزة السجن سينما شيء جميل واستثنائي".

الطفل بهاء صالح (11 عامًا) قال وهو يحدق فرحًا في مجموعات الحضور المغادرة للمهرجان بعد انتهاء الفيلم "الشاشة بعيدة والصوت غير مسموع، لكن كنت سعيد وما بدي أمشي، بقيت حتى النهاية".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018