البداية بمعرض "ليس كأي ربيع" قصة متحف جامعة بيرزيت

 

 

 

في شهر آذار الماضي، افتتح متحف جامعة بيرزيت معرض "ليس كأي ربيع"، الذي سيستمر حتى نهاية حزيران الجاري.

 

وفي معرض "ليس كأي ربيع"، يقدم المتحف تجربة فريدة حول مفهوم المجموعات، ومعنى المتحف في السياق الفلسطيني. وتسلط هذه التجربة الضوء على العمق التاريخي للمجموعة الفنية في الجامعة، ومدى استقلالها عن المشروع السياسي المؤسساتي الذي نما بشكل متسارع في العقدين الأخيرين. ونلحظ في تجربة هذا المعرض تراكمات عدة لعمل ثقافي ساهم فيه العديد من الأفراد، الذين سعوا لإيجاد تجربة ثقافية فريدة وحية في جامعة بيرزيت، تنمو باستمرار، مرتبطةً بتاريخ واستمرار الجامعة بعيداً عن كبوات الواقع السياسي في إنشاء دولة بمؤسساتها المختلفة. بقي المتحف ينمو بشكل عضوي ومستمر، مطوراً تجربةً ثقافيةً مهمةً، نشطت قبل تأسيس المتحف بسنوات، ولعبت فيها الفنانة فيرا تماري دوراً تاريخياً، شكل حجر أساس في تحقيق التراكم الذي تطلبه تأسيس المتحف عام 2005.

بدأت تماري، قيمة معرض "ليس كأي ربيع"، مشوارها في جامعة بيرزيت بعد إنهاء دراستها في تاريخ الفن والعمارة الإسلامية من جامعة أوكسفورد عام 1984، وبدأ مشوارها في الجامعة بتدريس مساقات تاريخ الفن والمهارات البصرية التي كانت سبباً في تنشيط الإنتاج الفني بين العديد من طلبة دائرة العمارة آنذاك. من خلال الأسلوب التجريبي الذي اتبعته مع الطلبة، لتطوير الأفكار ولاكتشاف إمكانيات المواد، الأمر الذي ساهم في تلبية حاجة الطلبة لتعلم بعض المهارات التي لا يوفرها نظام التعليم الأساسي. وكانت محصلة هذه التجربة أن أنتج طلبة العمارة العديد من المعارض الفنية المتميزة خلال فترة تدريسها في الجامعة التي امتدت لأربعة وعشرين عاماً، بحيث اكتسبت هذه المعارض أهمية خاصة في غياب برنامج للفنون في الجامعة.

خلقت هذه الحالة جوًّا من الاهتمام بالفنون في الجامعة، وأصبحت فيرا تماري عنواناً للنشاطات الفنية في الجامعة. وفي عام 1994، تم تعيينها لتكون مسؤولة لجنة تعمل على استلام الأعمال الأولى من المجموعة الفنية، وهي أعمال الفنان السويسري رينيه فورير، التي تبرع بها للجامعة إيماناً منه بالدور الثقافي الريادي الذي تلعبه الجامعة. وتلاها العديد من التبرعات التي قدمها فنانون وفنانات مثل مروان قصاب باشي، وكمال بلاطة، وسامية حلبي، وإتيل عدنان، وموريس باستيرناك، وغيرهم الكثيرون.

كانت هذه اللحظة بداية لمرحلة جديدة شهدت فيها الجامعة بداية تكون المجموعة الفنية الخاصة ببيرزيت. في نفس الفترة، تبرعت عائلة الدكتور توفيق كنعان بمجموعته الفريدة للحُجُب، التي أضافت بعداً تاريخياً مهماً حول التاريخ الاجتماعي في فلسطين، وأغنت المجموعات بمكون جديد لموارد التراث الثقافي المادي في الجامعة. هذه التبرعات التي قدمها الفنانون والأفراد للجامعة كهدايا خلقت تجربة لها أهميتها التاريخية، كانت موضوع معرض "ليس كأي ربيع".

ومن خلال معرض "ليس كأي ربيع"، دعا متحف جامعة بيرزيت الفنانة فيرا تماري للعودة لقراءة تجربة البدايات اعتماداً على عام 1994، كنقطة انطلاق لرحلة متحف جامعة بيرزيت كتجربة مجتمعية في صميمها، وهي السمة التي ظلت ملازمةً لعمل المتحف، الذي يسعى لتقديم معنى المتحف في السياق الفلسطيني، وما يترتب عليه من تطوير لمفاهيم محلية عن الإنتاج الفني، والمجموعات الفنية، والإمكانيات التي يحملها التراث الثقافي المادي لإنتاج معرفة واستشراف المستقبل، كونه ينمو في قلب الجامعة ذات التجربة الثقافية التاريخية التي تقترب من مئة عام.

أخرجت تماري  معرض "ليس كأي ربيع" معتمدة على ارث تجربتها التاريخية التي قادت فيها مبادرات مهمة لإبراز أهمية المعارض الفنية في تجربة الحياة الجامعية، التي كان أكثرها حيوية افتتاح "جاليري القمرية"، التي كانت قاعة العرض الأولى في الجامعة ما بين عامي 1999- 2004، حيث تم استخدام أربعة أروقة في أحد مباني الجامعة كصالة عرض، وقدم  فيها عدد من المعارض لفنانين أمثال سليمان منصور، وتيسير بركات، ونبيل عناني. وكانت هذه المعارض حالة حيوية مهمة، خاصة في وقت لم تتوفر فيه قاعات عرض متاحة للطلبة بشكل خاص، وللجمهور بشكل عام.

خلال التحضير والتجهيز للمعرض، عادت تماري لمراجعة تجربتها فترة التسعينيات، التي تجمعت فيها أعمال وتبرعات من العديد من الفنانين وهم: رينيه فورير، وكمال بلاطة، ومروان قصاب باشي، وإتيل عدنان، وليلى الشوا، وفلاديمير تماري، ومنى باسيلي سحناواي، ورشيد قريشي، وناصر سومي، وسامية حلبي، وسري خوري، وإسماعيل شموط، وسميرة بدران، ومنى حاطوم، ومنى سعودي، وموريس باستيرناك، وميزوكو ياكاوا، ويورك شميتزر، وجاي كوب، ولويس نخلة، ومنها بشكل شخصي. وقدمت الأعمال مع بعض الوثائق والمقابلات مع الفنانين، إلا أن الجانب الأكبر في المعرض تطور بعد أن وجهت تماري رسالتها الى عدد جديد من الفنانين الفلسطينيين تشركهم في فكرة المعرض، مع دعوة للمشاركة بعمل لينضم للمجموعة، وفي تأكيد جديد على الدور المجتمعي المتبادل الذي يلعبه الفنانون مع المتحف لتقديم الفنون بجميع أشكالها لجمهور الطلبة، فعل الجميع وقدم 25 فنانا وفنانة أعمالهم لمجموعة المتحف مع الترحيب بالفكرة، وهم:

سليمان منصور، وسهى شومان، ونبيل عناني، وتيسير بركات، وإميلي جاسر، ورولى حلواني، وحسني رضوان، وتيسير البطنيجي، وسمير سلامة، وهاني زعرب، وخالد حوراني، وجواد المالحي، وجمانة مناع، ورائدة سعادة، وشريف واكد، وأحمد كنعان، وخليل رباح، وإيناس ياسين، وجون حلقة، وتيسير شرف، وعامر الشوملي، وعمر يوسف بن دينا، ويزن الخليلي، وبشير مخول. كما تبرع الباحث الفلسطيني وجامع المقتنيات  جورج الأعمى بعملين فريدين من مجموعته الخاصة لينضما إلى مجموعة المتحف، وهما رسم زيتي للأديب الفنان جبرا ابراهيم جبرا، ورسم تخطيطي للفنانة الرائدة صوفي حلبي.

اعتمد التنظيم الفني للمعرض على تقديم الأعمال الأولى التي تبرع به الفنانون في فترة التسعينيات مع المجموعة الجديدة التي قدمها الفنانون لهذا المعرض. كما تم تقديم مجموعة الفنانة لويس نخلة "الزهور البرية في فلسطين" في  معرض خاص قدم في مركز خليل السكاكيني ضمن النشاطات المرافقة للمعرض، من خلال تدخلات طلاب العمارة في جامعة بيرزيت بإشراف فني من الدكتور يزيد عناني والدكتورة سمر الناظر في مشروع بعنوان "الميثولوجيا الرقمية". 

كما كان لمجموعة أعمال الفيديو منصة للعرض ضمن برنامج "العودة لمهرجان الفيديو"، وذلك بتنظيم فني من قبل الفنانة إيملي جاسر التي جمعت من فنانين حول العالم نسخا من أعمال فيديو قيمة، وقدمتها لجامعة بيرزيت عام 2002 في مهرجان خاص نظمته آنذاك لفن الفيديو.

استطاع المعرض في نشاطاته المختلفة فتح مجالات للنقاش حول المجموعات ودورها في التعليم وانتاج المعرفة، كما وفر للعديد من الفاعلين الثقافيين فرصة مهمة للالتقاء ونقاش معنى العمل المتحفي في فلسطين، حيث كان أبرز هذه النشاطات حلقة النقاش التي حملت عنوان "ظاهرة اقتناء الاعمال الفنية في فلسطين"، وشارك فيها فيرا تماري، وجورج الأعمى، وجاك برسكيان، وخليل رباح، ولارا الخالدي، وبمحاورة من مديرة المتحف إيناس ياسين.

 

  • مديرة متحف جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018