ارتباك الإسلام السياسي.. وداعش وريث الإسلاميين

 

مهم التفريق بين المسلم باعتباره غالبية سكان منطقة الشرق الأوسط، الذين اختاروا الدين الثالث بعد اليهودية والمسيحية، كهوية ذاتية واجتماعية جوهرها القيم، وبين الاسلامي أو الإسلاموي، كمصطلح تخلّق نتيجة تشوه العلاقة بين الدين والسياسة، والتجارب المتناقضة مع القيم الأساسية التي حملها خاتم الأنبياء، كنموذج أخلاقي يسعى لإتمام مكارم الاخلاق بالممارسة في كافة الاتجاهات الانسانية.

"الاسلامي" جاء نتيجة محنة حادة أثناء محاولة ولوج السياسة والوصول للسلطة بنوايا حسنة يحملها "المقهورون" جراء أزمة الحكم الاسلامي خاصة في قرونه الأخيرة، ثم أزمة الاستعمار وصراع الهوية ومحاولات الاستقرار بعد الاستقلال، في أغلب الدول المستعمرة عربية وعجمية، التي على صلة بالثقافة الاسلامية؛ إلا أن هذه النوايا الحسنة لغالبية الجمهور والباحثين وبعض المفكرين الذين لم تكتمل رؤيتهم وتجربتهم الفكرية حول صياغة مشروع  نهضوي قوامه "الثقافة الاسلامية" المستندة على "التراث الاسلامي" بغثه وسمينه، هي محاولات اصطدمت بعدم وضوح الرؤية في عصر أطلق عليه "عصر التنوير والحداثة" بعد طفرة الغرب الاقتصادية، وتجربته الانسانية الهائلة بعد الحربين العالميتين، وسعي مشروع الدولة الغربية الحديثة لتلافي أزمة علاقة السلطة مع الكنيسة، والصراع الدامي، والاستفادة من وفرة الثورة الصناعية.

في المقابل، سيطر الفقر على المستعمَرين ودولهم المرتبكة ما بعد الثورات التحررية، واعلان عدد من التيارات أن الاسلام كمرجعية هو المخلص، دون وضع تصورات واضحة وترجمة فكرية لذلك، بمقدورها مواجهة سطوة سحر التجربة الغربية الراقية، فكانت بداية الصراع  بين الاسلامي كمشروع سياسي والتيارات الوطنية والقومية واليسارية المفتونة بتجارب الغرب، وتطورت المواجهة الى معسكري الكفر والايمان، أو الأصالة والحداثة، إلا أن الأخطر هو اغفال الاسلامي السياسي أن التيارات الأخرى تتكون من مواطنين أصلاء في المنطقة ومسلمين لهم وجهات نظر أخرى.

***

لكن تفاقم المعركة السياسة وأحيانًا الطبقية بين الاسلاميين والمكونات الوطنية الأخرى بأدوات سياسية اجتماعية لبست عباءة الدين، ثم اشتعال المواجهة الدامية بين الجماعات الاسلامية والسلطات الوطنية، ما ادى الى انحسار الحاضنة الشعبية للطرفين، التي ولّدت ديكتاتورية الحكم وتطرف الجماعات، وبعيدا عنهما، كان "الاسلام المعيش" يستمر في صناعة المسلم من خلال الحفاظ على العبادات الروحية، والمظاهر الاجتماعية، عبر احترام المجتمع للنظم الاسلامية الاجتماعية، كالزواج والطلاق والميراث، رغم تشوه ممارسة تلك القيم جراء محاولة منظري الحركات الاسلامية الهيمنة عليها وتوجيهها واحتوائها لإبقاء التواصل مع المجتمع والهيمنة عليه، واستقطابه في مواجهة السلطة.

وبدأت تنكشف رويدًا رويدًا مساوئ الإسلامي الذي حرص على التمظهر الشكلي بالقيم الاسلامية العميقة، أمام المسلم الذي تعرض لصدمة تجربة الاسلاميين في السلطة، وتوظيف الدين في الدعاية الانتخابية والطعن والتشكيك في التيارات الاخرى، وأحيانا المجتمع، عبر انتشار عدة روايات استلبت طهر المرحلة الأولى للإسلام، ما أزعج المسلم الذي حفظ نبيه محمدا في أعلى درجات الطهر والقدوة، ودلالة ذلك تجد أن اسم النبي الأوسع انتشارا في المجتمعات العربية، ثم حدوث فرز حقيقي بين المسلم والاسلامي.

لا بد من تطوير الوعي بالدين كقيم يحملها المسلم وعيا وسلوكا في مواجهة الاسلامي الذي اختار العزلة داخل فكرة المجتمع الاسلامي لسيد قطب، ومن ثم تكفير المجتمع، والتخلي عن نهج المهادنة معه الى نهج المغالبة الذي تمثله داعش كتطور طبيعي وحقيقي يعبر عن فكر الجماعات الاسلامية المعاصرة والقديمة، وخلاصة لتداخل النصوص مع التاريخ الاسلامي. 

***

عندما ننظر الى هيئة الداعشي، أو الزهد المعلن في مظهر الصوفي، أو نستمع لأكبر قائد اسلامي جزائري، الراحل محفوظ نحناح زعيم التيار الإخواني هناك، يقول: "لو أن الرسول بيننا للبس كوستيم"، أي بدلة عصرية وربطة عنق، كما تجد حركة فلسطينية تجعل لون الكوفية أخضر بدل الأسود لإضفاء هويتها وشطب الاخر، يتضح أن الاسلامي الداعشي أو "الوسطي المستنير" بقي أسير الماضي أو التجربة الاولى بالتقليد او الابتذال، حتى في اللبس والمظهر، وتشعر أن الاسلاميين قفزوا عن رسالة النبي ذات قيم الرحمة، والتجديد، والحفاظ على التنوع البشري، وفتح مساحات التعارف على قاعدة "الدفع بالتي هي أحسن" أو "أكرمكم عند الله أتقاكم"، لأنها لا تخدم أهدافهم في السيطرة والاقصاء، وبث الفرقة واضعاف الآخر والاشتباك معه، دون الاجابة على أسئلة العصر بصناعة السجادة والمسبحة على الأقل.

إن الخطاب الشكلي لدى الاسلامي المتخلف أو المتنور، جاء منسجما مع ثقافة الجهل واليأس والقهر في العالم الاسلامي، ما جعل مدرسة الراحل الشيخ عبد الحكيم كشك أقرب للناس "لحظيا"، من معارف الشيخين محمد الغزالي ومحمد متولي الشعراوي المستنيرة، لأن كشك خلفه مؤسسة تجني من خطابه، في المقابل تم إهمال الغزالي والشعراوي كحالات فردية دون مؤسسة أو جماعة حاضنة تسمح لهما بالتمدد لصد الخطاب المتشدد.

لذلك، سيواصل الاسلامي السيطرة على المساجد، ويحافظ على البقاء من خلال "تفريخ" المسجد لأجيال جديدة بهدف تعويض الفاقد، وسيبقى الاسلامي يستخدم "ثقافة حفظ النصوص" المنتجة لجيل الحفظة دون فهم، مستغلا الظروف الاقتصادية، ورهبة المسلم البسيط أمام الشيخ المعمم أو الملتحي، والانتشار في المساحات الفارغة التي تركها غياب المؤسسات الثقافية والرياضية، وتخلف التعليم ونخبوية العلماء.

إن الاسلامي رغم ماضويته، وعقله السلفي، يعد الأفضل في السيطرة على تكنولوجيا الاتصالات، من أجل بث التنظير والتهديد، فيما بقيت وزارات الأوقاف، والعلماء في دوائر البيروقراطية والمناسباتية، بعيدا عن الواقع في معركة مجتمع تكون لصالح الاسلامي، الذي أصبح أداة مكشوفة للقوى الخارجية، التي عززت منذ البداية وجود الاسلامي كبديل للوطني او القومي لإضعاف الطرفين.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018