أم ميخائيل تروي ذكريات المريول ودكان الحارة في اللد قبل النكبة

 

ببسمة ممزوجة بالحسرة بدأت السيدة تحفة فقس "أم ميخائيل" تروي لنا ذكرياتها في مدينة اللد قبل نكبة عام 1948، التي وإن كانت تفاصيل صغيرة جدا لكنها تجعل كل من يجلس ويسمع، يذهب في خياله الى ذلك المكان الذي كان لنا وسيعود يوما ما.

أم ميخائيل التي كانت في عام النكبة في العاشرة من عمرها، بدأت حديثها لنا عن مدرستها وقالت انها لطالما أحبتها وتمنت أن تكمل تعليمها بها، مدرسة الروم الارثوذكس التي كانت تقع بجانب منزلها في حارة السكنة "سكنة القورة" في مدينة اللد. ووصفت لنا زيها المدرسي المتمثل بفستان طويل الأكمام وتنورة تصل الركبة، أسود اللون وبقبة بيضاء؛ فكانت تذهب الى مدرستها القريبة من البيت مع اخواتها وصديقاتها ممن يقطن بالقرب من منزلها التي لن تساعدها ذاكرتها على تذكر أوائل أسمائهن لكنها تذكرت أسماء عائلاتهن وهي (القورة والخوري وحلتة والحجري الذين هاجروا ولم يعرف عنهم شيئ وعائلة البطشون أيضا).

"أنا ما بعرفهم، هلا بتمنى أشوفهم بعد ما تهجرنا كلنا" تقول السيدة الثمانينية اللاجئة في بيرزيت.

 

المعلمة آنسة مريم 

وتحدثت أم ميخائيل عن حبها الكبير للتعلم والدراسة رغم انها تركت المدرسة في الصف الثالث اعدادي، وعادت بذاكرتها الى المعلمة القاسية التي كانت تدرسها "الآنسة مريم البجالية" -نسبة الى مدينة بيت جالا التي تنحدر منها، فتذكرتها بابتسامة عندما كانت تضربهم "بالمسطرة" على أيديهم: "كانت قوية آنسة مريم بس نشوفها جاية واحنا بنلعب اكس وحبلة نروح نتخبى".

وآنذاك في سنوات ما قبل النكبة، كانت في اللد ثلاث مدارس كما قالت أم ميخائيل، وهي الراهبات والحكومة (المعارف) والروم الأرثوذكس، "أختي الكبيرة كانت في المعارف"، قالت: كانت السوق قريبة من بيتنا بجانب كنيسة الروم، حيث كان مليئا بالدكاكين والمقاهي وعيادات الأطباء، وكانت دكانة جبر نينو الاشهر في حارتنا.

 

أكلات العيد وحلوياته

وتذكرت "الراديو" الذي كانوا يسمعون منه الأخبار، والبطاريات التي كانوا يبدلونها عندما تتلف. كما وصفت أضواء الانارة التي كانوا يستخدمونها "اللوكس"، والشمع الذي كان يستخدم بكثرة في انارة الكنائس، وتحدثت عن الأعياد في اللد قبل النكبة، حيث كانت النساء يصنعن المعمول والكعك والبقلاوة في بيوتهن.

وشرحت أم ميخائيل لنا طريقة عمل البقلاوة، حيث ان الجميع كان يعمل ذلك بالبيت لعدم وجود مكان يبيع الحلويات آنذاك: "كانت امي تعمل المعمولة توخدها الوحدة تفرقها عولادها من كبرها وريحتها كلها سمنة بلدية"، اضافة الى الحلويات، فكانوا يذبحون "الزغاليل" والدجاج ويتم حشوها بالأرز لتحضير غداء العيد، ويذهب الجيران لتهنئة بعضهم في الأعياد.

وكانت تأخذ من والدها القرش (التعريفة) وتذهب الى الحارة مع صديقاتها لشراء الحاجات، فكانت حينها التعريفة لها قيمتها كما عبرت أم ميخائيل. كما وصفت لنا كيف كانوا يقطفون الليمون عن الشجر هي وصديقاتها "كنا نقحطه بالحيط وناكله".

ووصفت كيف كانوا أحيانا يأخذون طعامهم ويذهبون الى مكان واسع بجانب محطة سكة الحديد ويجلس الجميع تحت أشجار الزيتون لتناول الغذاء مع بعضهم، وكان الأطفال يلعبون في هذه الاراضي الواسعة.

وتذكرت كيف كان والدها يربي النحل بجانب البيت عن طريق وضع "جرار بجانب بعضها البعض على شكل صفوف ولكل جرة ملكة"، ثم كان يضع لهم الماء في فخار ويضيف له السكر ويخرج منه اعواد كي يقف النحل عليها للشرب، وكانت تذهب واخواتها لاعطاء الجيران العسل عندما يقطعه والدها سنويا؛ وأضافت أن والدها كان يزرع شجر الرمان والتمر حنة والعنب بجانب البيت وكانت لديهم أيضا أراض واسعة يحصدون منها القمح.

كما وصفت لنا المسنة فقس طريق بيتها التي كانت تسكنه، المتمثل بشارع قليل السيارات يسمى "شارع المطار" لوجود مطار اللد بالقرب منه، حيث إن كل من يسافر من يافا والرملة يمر من هذا الشارع، "كان فيه في بلدنا سيارات وطيارات وسكة حديد" تقول مفاخرة.

 

قرش ونص مواصلات الرملة

واستذكرت ام ميخائيل كيف كانوا يتنقلون من اللد الى الناصرة عن طريق القطار والى الرملة ويافا عن طريق الباصات، كما اوضحت كيف كانوا يذهبون لزيارة أختهم في الرملة، فيركبون الباص الخاص بالرملة من المحطة ويدفعون له قرشا ونصف القرش.

كما تذكرت أخاها المرحوم جاد عندما كان في الثانية عشرة من عمره الذي كان يذهب يوميا بعد المدرسة الى محطة اللد، حيث كان يعمل في سكة الحديد، ووصفت كيف كان ابن خالتها يأخذهم معه الى البيارات لقطف الليمون والبرتقال بسيارته الكبيرة التي كان يستخدمها في نقل الثمار وبيعه.

وعن لحظة التهجير على ايدي العصابات الصهيونية قالت ام ميخائيل: "راحوا على يافا وهجروا أهلها وأغلبهم هرب عن طريق البحر لبيروت، بعدين صاروا ييجوا اليهود من بلد لبلد. لما سمعنا عن اللي صار بيافا بدينا نجيب مونة للدار. طحين ورز وسكر بأكياس كبار حطيناها بقلب الدار بلاش تصير الحرب ونموت من الجوع. بعدين أجوا عالرملة وهجروا أهلها وكانت اختي منهم هربت عنا عاللد".

هكذا تتلخص قصة الألم، فبدأت هجرة الفلسطينيين من يافا الى اللد من منطلق أن اللد هي "الدولة الثامنة"، وسميت بهذا الاسم لبسالة أهلها وشجاعتهم في الدفاع عنها ومقاومة الأعداء والقناعة المنتشرة بأنها لن تسقط بيد اليهود! لكنها سقطت وسيطر عليها من قبل العصابات بتهديد السلاح.

"هاجرنا بمراييل المدرسة والقبة البيضة عليه وملبسانا امي فستانين تحت المريول. بتذكر لما طلعنا من الدار انحنى أخوي وقبل عتبة البيت وقالها خاطرك يا دارنا" هكذا ختمت السيدة فقس حديث ذكرياتها لنا.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018