مصداقية الإعلام الاجتماعي تغرق في "تسونامي" الإشاعات

 

دع كرة من الثلج تتدحرج نحو هدفها وانتظر، فقد تشهد انهيارًا جليديًّا خطيرا؛ يحدث هذا تمامًا حين يشيعُ أحدهم خبرا ما على مواقع التواصل الاجتماعي فيتداولها الناس بإثارة وارتباك، رغم كونها لا تستند إلى مصدر موثوق يؤكد صحتها، فتكون الإشاعة.

الإعلام الإسرائيلي رمى بِذرة إمكانية حدوث "تسونامي" حين أعلن إجراءه تدريباً اعتيادياً يحاكي تعرض شواطئ عسقلان وغزة لأمواج تسونامي بحري، وساعدت وسائل الإعلام المحلية وصفحات التواصل الاجتماعي في تغذية الإشاعة، فاستعد المواطنون بذعر لمواجهته.

رشا سلمان لاحظت أن "التسونامي" باتَ حديث أهلها في البيت، ولاحظت أيضًا ارتباكهم خاصة أنهم يسكنون بالقرب من شاطئ بحر غزة ويعزمون على المغادرة، قالت "من البداية لم أصدق الخبر، ولأنني على اطلاع ببعض المواد التي تخص الجيولوجيا ومنها "تسونامي" حاولت توضيح الأمر لأهلي، أخبرتهم أنه يحدث في المحيطات وهو نتاج لحدوث زلزال يرافقه بركان في قاع المحيط المتكون من الصخور البركانية، وفلسطين لا يوجد بها محيطات".

اجتهدت سلمان في شرح وتبسيط الطبيعة الجيولوجية بأكثر من ذلك، لكنها أعربت عن أسفها قائلة "استبعدت بقوة حدوث "تسونامي" واعتبرته أكذوبة وحاولت تبرير ذلك، إلا أن التهويل الإعلامي كان أقوى ولم أستطع منع أهلي من تصديق الخبر بعد أن استحوذ الخوف عليهم". 

ويبدو أن الأمر كان أكثر إزعاجًا بالنسبة لشهد السويركي حيث تناوبت هي زوجها في الرد على اتصالات الأهل والأصدقاء الذين طالبوهم بإخلاء البيت ليلة 15 من نيسان المنصرمة؛ وقالت "يبعد مكان سكني عن شاطئ البحر 100 تقريبًا لذا استغرب المتصلون من موقفنا فقد قابلنا نصائحهم بإخلاء البيت بالضحك والتهكم".

وأضافت بسخرية: "الغريب أنني ورغم عدم تصديقي للحادثة وتعاملي معها على انها شائعة، إلا أنني استيقظت قبل الفجر ونظرت عبر النافذة لأتحقق إن كان "التسونامي" قد أوشك أم لا، ضحكت على نفسي وقتها ولاحظت أنني تأثرت بردة فعل من هم حولي".

السويركي أشارت إلى أن إشاعة "التسونامي" تُثير ذكرى مؤلمة عايشها معظم الغزيين، فإعلان حالة الطوارئ وإخلاء السكن هو أحد التفاصيل الخاصة بالعدوان الاسرائيلي هروبًا من النيران، وأضافت: "في العدوان اضطُررت إلى تركت بيتي ليلة واحدة، لكنني سرعان ما عدت إليه، البيت هو الأمان ولن أتركه لمجرد سماع إشاعات لا أساس لها من الصحة".

"تسونامي الأخلاق"

"لا أساس للخبر ولا مصدر يستند إليه"، هذا ما أكده محسن الافرنجي أستاذ الاعلام في الجامعة الإسلامية بغزة، قائلاً: "لم نجد معلومات ولا مصادر للخبر، ورغم ذلك تواصل انتشار الشائعات وتضخيم الروايات واختلاق الأحداث وممارسة التضليل الإعلامي من المجتمع إلى المجتمع نفسه". واعتبر أن أخطر ما يواجه المجتمع الفلسطيني حاليا التضليل الناجم عن الاعتماد على الإعلام الإسرائيلي وتداول الروايات دون تفحص خاصة في ظل تَحكمهُ بمصادر تلك المعلومات التي تكون في كثير من الأحيان عبارة عن جس لنبض الشارع الفلسطيني أو لتوتير الأجواء وزعزعة الأمن والاستقرار وهو ما يقع في إطار الحرب النفسية.

وأعرب الافرنجي عن أسفه إزاء تساوق الجهات الرسمية مع الإشاعات وعلى رأسها وزارة الداخلية التي أعلنت جهوزيتها لمواجهة أية طارئ رغم ضعف إمكانياتها، ثم بدأت تتراجع وتشكك في روايات التسونامي وتدعو المواطنين إلى الهدوء وعدم الأخذ بالشائعات المغرضة بعد أن تواصلت مع مؤسسات دولية ذات علاقة.

"دور الإعلام الحقيقي هو التوعية والتحصين ضد الإشاعات لا أن يكون ضالعًا في نشرها سواء بقصد أو بدون"، قال الافرنجي، ونبه إلى "ضرورة وقف بعض الوسائل التي تمرر الأخبار مجهولة المصادر وتقدم آراء البعض مغلفة لتبدو وكأنها حقائق دامغة"، ووصف ما حدث بـ "تسونامي الأخلاق" لأنه ألحق أذى نفسيًا كبيرًا بالمجتمع، وكان ذلك بسبب جهات معينة أرادت تحقيق مكاسب كزيادة عدد الزوار لمواقعها واللايكات لبعض نشطاء الشبكات الاجتماعية.

إشاعات مُغرضة

سعيد قديح صحفي وناشط اعلام اجتماعي بين أن منشورات صفحات التواصل الاجتماعي الخبرية منها تكون على الأغلب غير موضوعية وتفتقر إلى المصادر، كما أشار إلى طريقة حكمهم وتعاطيهم مع المنشورات، حيث يُنظر غالبًا إلى صحة الخبر بكم التفاعل والإعجابات والمشاركات عليه، ما يجعله في متناول الجميع ولربما يصبح خبرًا في وكالات غير مهنية.

عن "تسونامي غزة" قال: "كان للإعلام الجديد الدور الأكبر في تداول شائعة "التسونامي" وهذه الشائعات يصنعها غالبًا مستخدمو المواقع وينشرون بأسماء وكالات وهمية لتحقيق أغراض خاصة غير معنيين بوجود مصادر"، وأضاف قديح "البعض يستخدم مبدأ إشاعة خبر معين لمعرفة ردة فعل الناس أو بلبلة الصف وإحداث الفوضى، وللأسف المستفيد في النهاية إسرائيل".

"تسونامي" لم يكن الاشاعة الوحيدة التي عصفت بالشارع الفلسطيني مؤخرًا، فكون المنطقة ملتهبة بأحداث الصراع والمستجدات السياسية يجعلها عرضة لسماع الكثير من الأكاذيب المتعلقة بشن عدوان جديد على قطاع غزة، أو اقتراب إنهاء الانقسام وتقدم مساعي المصالحة لرفع سقف آمال المواطنين، لكن ما يلبث أن يقع هذا السقف على توقعات وطموحات الغزيين بشأن انفراجه قريبة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018