كتابة المقال في فلسطين كما يراها عدد من أصدقاء "صاحبة الجلالة"

 

الى أي درجة يصْدُق كتابات المقالات جمهورهم القول، والى أي درجة يلتزم هؤلاء بالموضوعية والحياد في ظل وسائل اعلام تهيمن عليها اما أحزاب أو شركات أو عائلات لها مصالح تختلف عن مصالح الجمهور، اين وصلت كتابة المقالات في التجربة الاعلامية الفلسطينية، وهل اضاف الاعلام الاجتماعي على هذا اللون من الكتابة ام اغرقها في الفوضى اكثر؟ هذه الاسئلة واسئلة اخرى تطرحها "الحال" في هذا العدد على عدد من الكتاب والصحفيين للوصول الى منطقة آمنة من النقاش، قد تفتح الباب لتطوير المسؤوليات والمهارات والمسارات المطلوب من كتاب الاعمدة، وتشكل تقييما لهذا القطاع المتخصص من صناعة الرأي العام الذي يريده الكل سليما وقويا وفاعلا. 

 

سلامة: كتابة الصحف أصدق من الفيسبوك

يرى الكاتب الصحفي عبد الغني سلامة الذي يكتب في جريدة الأيام، أن معظم كتاب الرأي مسيسون، وينتمون لأحزاب سياسية معينة أو على الأقل مؤيدون لتيار فكري أو سياسي، بالتالي يرى أن هذا ينعكس على مقالاتهم، مشيرا الى ان ذلك لا يمنع وجود الموضوعية فهناك فرق كبير بين الموضوعية والحيادية، كما اوضح عبد الغني. 

وقال إنه من الصعب الحيادية عند الكاتب، بصفته انسانا مثقفا لديه وجهة نظر ورسالة وأفكار يتبناها، فيكون من الواجب عليه أن ينقل هذه الرسالة للناس، وبالتالي لن يكون محايدا لكنه يجب أن يكون موضوعيا في نقل هذه الرسالة ويتحرى الدقة والأمانة العلمية في النقل مع الأخذ بالاعتبار الكتابة بهدوء دون تجريح بالطرف المعارض.

وأشار سلامة الى أن الكتاب في الصحف المحلية بشكل عام ملتزمون بالمهنية والموضوعية في نقل الرسالة، على عكس الكتاب في مواقع التواصل الاجتماعي الذين اعتبرهم أقل نضوجا من الكتاب في الصحف المحلية، وغير دقيقين أو محرضين بطريقة مضللة وحزبية أحيانا بسبب استخدامهم الشعارات في نقل رسالتهم، ورأى أن ذلك يعود الى الرقابة المهنية على الصحف والمواد التي تنشر بها.

أما عن سلامة اللغة في المقالات في الصحف المحلية، فعبر عن وجود اهمال في علامات الترقيم والبعض غير متمكن من الناحية النحوية؛ وأوضح أن الأقدم عمرا والأكثر تجربة تمتاز مقالاتهم بخلوها من الأخطاء النحوية.

وقالت الكاتبة وأستاذة الاعلام في جامعة بيرزيت الدكتورة وداد البرغوثي، إنه يصعب تقييم مصداقية الصحف لسبب يعود الى تكرار وجود نفس أسماء كتاب المقالات بالصحيفة نفسها، وهذا ان دل على شيء فهو يدل على أن هناك اتفاقا ضمنيا أو على ورق بين الكاتب والصحيفة، فالكاتب برأي البرغوثي بالضرورة أن يكون منتميا لجماعة الصحيفة أو على الاقل متفقا مع الصحيفة في ألا يصطدم معها. وأضافت: "قد نرى كتابا من خارج انتماء الصحيفة السياسي، لكن كتاباتهم يكون فيها الكثير من المهادنة أو التوافق بما لا يمنع النشر".

وروت البرغوثي قصصا من تجربتها الشخصية بوقف نشر مقالات كثيرة لها بسبب اختلافها مع وجهة النظر الموجودة في الصحف التي اختلفت معها.

وأضافت أن الجمهور لم يعد جمهورا قارئاً للصحف، واذا كان هناك قراء للصحف في السنوات السابقة قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فهم يقرأون ما خف وزنه من بعض الأخبار، أمّا المقالات فهي الأقل قراءة في الصحف. 

وأشارت الى أن الكتاب لا يستطيعون النقد في قضايا معينة لأنهم بالأساس لا يكتبون عن هذه القضايا التزاما بسياسات الصحيفة.

 

ضبابات: الصحف أنضج من المواقع

كما أشار الصحفي والكاتب في وكالة "وفا" جميل ضبابات الى وجود ثلاثة أجيال من كتاب المقالات في الصحف الفلسطينية على الأقل، منهم جيل الثورة الذي يكتب في الصحف الورقية وجيل يكتب في وسائل الاعلام الالكترونية وجيل ينشط بالرأي على وسائل التواصل الاجتماعي. واعتبر ضبابات ان الفوارق بين هذه الاجيال تتضح في ان الجيل الاول يكتب في الصحف الفلسطينية بنفس ثوري رغم اختلاف الظروف والحقبة السياسية، لمعاصرتهم الانتفاضات الفلسطينية وكتابتهم في مجلة فلسطين الثورة أو مجلة الهدف، بينما تكتب الاجيال الجديدة بنفس اجتماعي وانساني في الصحافة الالكترونية الجديدة.

وعبر ضبابات عن انعدام مسألة التنوع لدى الصحفيين الجدد، فبالرغم من أنهم كتاب محليون، الا أن جميعهم يتناولون المواضيع من نفس الزاوية، سواء في موضوع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.

وأضاف ضبابات أن هناك إغراقًا في الكتابات السياسية محليا، وبالرغم من اختلاف أسماء الكتاب، إلا أن مضامين كتاباتهم متشابهة، لكن الجمهور واحد وليس بحاجة لقراءة المقال نفسه في أكثر من صحيفة بغض النظر عن الفروقات الثقافية والمعرفية بين الكتاب التي من المفترض أن تنعكس على كتاباتهم.

ومن المآخذ على كتاب المقالات حسب ضبابات أنهم بحاجة الى التوسع في تناول المواضيع أي بحاجة الى اتجاهات معرفية وكتابية أخرى.

وأشار الى أن الهدف الأساسي من الكتابة هو تشكيل رأي عام ايجابي، فيجب على الكاتب أن يأخذ القارئ الى الزاوية التي يعجز أن يصل لها وينظر اليها من خلال كتاباته، وهذا يفتقده أغلب الكتاب برأي ضبابات بسبب قلة ومحدودية المقالات التي شكلت نقاشًا وردود فعل بعدها، لكن هذا لا ينفي وجود كتّاب مقالات يومية لهم أثرهم بالمجتمع على حد تعبيره.

وعبر ضبابات عن التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الالكتروني على كتابة المقالات في الصحف اليومية، فأصبح بإمكان أي شخص كتابة قطعة تسمى مقالا، وبسهولة يتم نشرها في المواقع الاخبارية لكن يختلف ذلك بين الوسيلتين حسب سبب الكتابة. واعتبر ضبابات الكتابة "عقدا مقدسا" بين الكاتب والجمهور، وهذا يتطلب من الكاتب إلماما ثقافيا ولغويا وموضعية كبيرة وقدرا كبيرا من المسؤولية عن الرأي العام.

وأكد ضبابات قدرة الاعلام الالكتروني في الوصول الى الجمهور والتأثير فيه أكبر وأقوى من الصحف الورقية، نظرا لأن قراء الصحف أغلبهم من النخبة القليلة في المجتمع، اضافة الى أن قدرة الاعلام الالكتروني على النقد تكون بشكل أكبر لعدم خضوعها لقوانين وسياسات تحريرية ورقابية كما يحدث في الصحف المحلية.

 

العيسة: تبدلات كثيرة على الورق

وانطلق الصحفي أسامة العيسة من فرضية أن المقال الصحافي في الصحافة الحديثة، لم يعد مجرد رأي، وإنما مقال أساسه المعلومة، فمضى عصر المقال الصحافي، الذي بنى مجده كتّاب وصحافيون كبار، كانت تنشر مقالاتهم على الصفحات الأولى للصحف، مثل طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد حسنين هيكل، وتوفيق الحكيم، ومصطفى وعلي أمين، وغيرهم، وكان لثقلهم الأدبي والسياسي ودورهم في الحياة العامة، أهمية في تأثير آرائهم التي يطرحونها في مقالاتهم، على الرأي العام.

وأضاف العيسة أننا "نعيش الآن مرحلة صحافية مختلفة تمامًا، يمكن فيها لكاتب المقال، ان يسجل سبقًا صحافيًا، من خلال قدرته على الوصول إلى المعلومات، نحن في زمن لا يكتب كاتب المقال الصحافي مقاله اليومي، أو الأسبوعي، وهو يجلس خلف المكتب، وإنما من خلال العمل الميداني، ورسائل القراء، ومصادر المعلومات".

ووضح العيسة أنه من الصعب "رصد كل ما يكتب في الصحف المحلية، ولكن من خلال ما يمكن متابعته من الزوايا اليومية، والأسبوعية، لكتاب المقالات، هناك بعض المآخذ على المقالات في الصحف المحلية، التي تتمثل بالولاء الحزبي، لذا فان الكاتب يكتب، وذهنه وعيناه نحو الحزب، أو الفصيل، الذي يمكن اختصاره في القائد. إضافة الى التكرار الإنشائي، في مقاربة الأحداث، يمكن مثلاً أن تقرأ مقالاً لكاتب زاوية يومية، عن حدث معين، وتشعر أنك قرأت المقال سابقًا. والردح الإعلامي، الذي تتجلى فيه المناكفات عندما تندلع بين فتح وحماس، عدم اهتمام كتاب المقالات بالهموم اليومية للناس، وحصر اهتمامهم على الأغلب بالمواضيع السياسية. كما أشار العيسة الى عدم وجود قسم متخصص في تصحيح المعلومات في الصحف؛ لذا فإنه من الممكن أن نجد أخطاء في المقالات حول تواريخ أو أحداث معينة".

وانتقد العيسة تكرار الكتاب لأنفسهم بشكل فاضح، باستخدام نفس الكلمات والعبارات، وعدم قدرتهم على إثارة قضايا رأي عام، فبعض المقالات تعاني من طول مفرط وافتقادها للرشاقة الأسلوبية، بالتالي، يرى العيسة أن لو أي كاتب من كتاب المقالات أو الزوايا في الصحف المحلية، يتوقف عن الكتابة لأي سبب، فلن يفتقده القراء.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018