عن ما لا أعرفه

 

سأكتب عن ما لا أعرفه. أظنك تسمح لي بالحديث عن إحدى المهارات التي أعتز بها اعتزازاً عادياً: أقرأ الجملة مرة واحدة فأفهم، ولعلِّة فيَّ أنا، أفهم بعض الجمل من القراءة الثانية، أما ما لا أعرف معناه من القراءة الثالثة، فاسمح لي!

امتحنت صحافتنا -وهي في حالة اختبار دائم- بأزمة قانون الضمان الاجتماعي. أرقام في أرقام في أرقام: لقد قرأت بعض الأخبار سبع مرات ولم أفهم شيئاً، غير أن الحق على الحكومة! ها أنا قبل أن أكون متجنياً، أهمُّ بالقراءة الثامنة.

يكتب الصحافي عن القانون الجديد ما يكتب وقد كلفه رئيس التحرير بأخذ رأي وزير العمل قبل أن ينقر على الكيبورد حرفاً واحداً، ويكتب الصحافي لأن عليه أن يلملم شيئاً عن الموضوع، يكتب الصحافي ما يفهمه هو وحده، وكيف إذا كتب عن قانون لا يعرف عنه شيئاً؟ ماذا تتوقع من القراء؟

إن الصحافي إذا عجز عن ضبط الجملة ضبطاً حسناً، ضيّع المعنى والقارئ معاً. ليس مطلوبا من المراسل أن يعرف الممنوع من الصرف، بل يجب ألا يعرفه أصلاً، لكنه مطالب بأن يقيم جملة تفي بالغرض. ملاحظة: بعض الكتاب يقعون في فخ الشعر، فيغوصون بحلو الكلام ثم يغرقون.

الكتابة الصحافية معلومة ولغة. وبعض المواد اليومية لا فيها معلومة ولا فيها لغة، فيها حروف متشابكة وبس. وما أصعب الحصول على المعلومة في بلادنا!

على أن الأرقام بحاجة لمتمرس يحولها إلى لغة تقنع المتلقي، ماذا يعني أن مؤشر غلاء المعيشة انخفض كذا؟ قولوا إن كيلو البندورة صار بشيقلين، وبعدها اكتبوا للمتخصص ما يشفي غله من نسب مئوية.

المطلوب الآن انعقاد التشريعي حتى وإن انتهت صلاحيته من زمان، فإن القوانين بلا برلمان منتخب تمر براحتها.

نهرب من بلادنا وتركض خلفنا كالشبح لا ندري بأي جهة هي، وراءنا تماماً، ونظل نبحث عنها في كل زاوية. داخل البلد تكتوي بنار الغلاء، وخارجه تلفحك نار قراءة النبأ.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018