بين قرار القضاء وتفسيره رسوم الهاتف الثابت.. معضلة باقية إلى الأبد

05/06/2016

 

 

لماذا: لأنها تُجبى لخزينة الشركة وليس لخزينة الدولة.. وهي خدمة وليست رسمًا بقانون

العكر: وزارة الاتصالات تراقب الرسوم بشكل دائم.. وهي بدل خدمات للمشتركين

القضية الجديدة للمستهلكين: مطالبات بفصل خط النفاذ عن الأرضي الثابت لتخفيف الكلفة

مجد حمد*

 

على خلفية قرار محكمة النقض الفلسطينية بإعادة رسوم الاشتراك الشهرية لأحد المشتركين لعدم صحتها قانونياً، الذي صدر بتاريخ 16/11/2015، وبسبب هذه القضية، ظهر حراك على وسائل التواصل الاجتماعي يطالب بوقف دفع رسوم الخط الثابت الشهرية التي تبلغ 20 شيقلا، لأنه غير مستخدم لدى العديد من المستهلكين ولا يرغبون بوجوده، وكانت هناك مطالبة أيضاً بعدم بيع الخدمتين: خط الهاتف الثابت وخط النفاذ للانترنت، إجباراً للمشتري، بالرغم من أنهما غير مترابطتين فنياً.

وفي 13/1/2016، ظهر قرارٌ تفسيري من محكمة النقض، يؤكد أن الرسوم المسماة "بدل خدمة" تؤخذ لإيرادات الشركة وليس لخزينة الدولة، وأن هذا المبلغ يدفع بدل خدمة تقدمها الشركة، وأن قرار إعادة الرسوم ينطبق على حالة هذه القضية فقط وليس على باقي المشتركين. 

 

القرار التفسيري

يقول مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د. عمار الدويك إن ملابسات حدثت عند العامة بعد ظهور قرار محكمة النقض الفلسطينية القاضي باعتبار رسوم الاشتراك الشهري للهاتف البيتي غير قانونية على الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي وبعد ظهور القرار التفسيري لحكم المحكمة بعد شهرين من القرار.

وفي رأي آخر، يقول الخبير القانوني والمحامي داوود الدرعاوي إن ما حدث في التفسير لم يمس قرار المحكمة أو يغيره، إنما بيّن أن الرسم الوارد الذي يجبى من شركة الاتصالات "بدل خدمة" لا يحتاج قانوناً ينص عليه ومن حق الشركة أخذه، وفي نفس الوقت ينطبق قرار المحكمة على تلك القضية وحدها، ولكن هذا لا يمنع أن تقام دعاوى مشابهة في المستقبل.

في المقابل، كان تفسير شركة الاتصالات على لسانِ مديرها التنفيذي عمار العكر بأن الشركة توجهت لمحكمة الاستئناف لتطلب تفسيراً لقرار المحكمة لعدم وضوحه، ولأن القرار يترك مجالاً للتأويل، وأن صدور القرار التفسيري كان في صالحهم، حيث سد "عدة جوانب، وأصبحت هناك راحة من قضايا مستقبلية شبيهة".

 

ملابسات القضية 

في الشق القانوني، شرح لنا المحامي الدرعاوي ملابسات تفاصيل رسوم الخط الثابت: "وقعت شركة الاتصالات الفلسطينية رخصتها التشغيلية عام 1996 باحتكار لمدة عشر سنوات تليها خمس سنوات لشركة الهاتف الخلوي، وحسب الامتياز، يتوجب على وزارة الاتصالات تحديد التسعيرة والتعرفة، وسعر التعرفة يعني ويشمل صيانة الخطوط وبدل التالف والمصروفات التشغيلية بالإضافة لهامش الربح لأنها مرفق عام، ووفقاً لنظام التعرفة والامتياز لا يوجد ما يسمى بالرسم الثابت، لأنه لا يجوز أن يُفرض رسم ثابت في عقد الامتياز دون أن يكون مرتبطاً بتقديم خدمات، وبالتالي الرسم من المفترض أن يكون مقابل تركيب الخط للمرة الأولى مقابل خدمات ولكن أن تفرضه بشكل دائم هنا كانت الإشكالية القانونية لأنه لا يستند لأساس قانوني أو عقدي، لأن سعر التعرفة الذي تتقاضاه الاتصالات يشمل المصروفات التشغيلية كاملةً بالإضافة لهامش الربح، وبالتالي فالرسوم الثابتة فقدت الأساس القانوني الذي يفرض، ولذلك وجدت محكمة النقض أن شركة الاتصالات لم تقدم أي بينات عن أن هذا الرسم هو بدل خدمات، فكيفت التقديم القانوني له بأنه ورد في التقديم القانوني الأساسي له وبالتالي لا رسم إلا بقانون، وهذا ما صدر عليه القانون. وآنذاك قررت المحكمة قبول الطعن وتمت إعادة الأموال للمدعي".

 

تبرير الشركة للرسوم

في المقابل تبرر شركة الاتصالات هذا الرسم، الذي سمته "بدل خدمة شهرية" لحاجة الشبكة بشكلٍ مستمر للصيانة كما قال العكر، وأكمل قائلاً بأن عليهم تقديم درجة عالية من الخدمة، فمثلاً يتوجب عليهم تصليح أي عطل خلال 72 ساعة من حدوثه، وهذه الأسعار موجودة في جميع الدول المجاورة وهي مراقبة من وزارة الاتصالات بشكلٍ دائم ومستمر، وسبب وجود هذه الرسوم أيضاً هي أنها تقدم خدمات للمشتركين، وهذه الأموال ضرورية أيضًا، لأن شركة الاتصالات تخسر وجوال تعوضها.

 

رسوم خط ثابت أم بدل خدمة؟

ويشرح الدويك عن موضوع رسوم الخط الثابت من خلال علاقته المباشرة بالقضية المذكورة سابقاً قائلاً: "شركة الاتصالات تفرض اشتراكا شهريا بدل خدمة وهو كحد أدنى تفرضه الشركة، واعتبر القضاء أن هذه الرسوم لا يجوز أن تكون إلا في حال كان هناك نص قانوني عليها، هذا الأساس القانوني فقط ينطبق على الرسوم التي تجبى لخزينة الدولة، ولهذا بررت شركة الاتصالات أن هذا المبلغ "بدل الخدمة" لا يجبى لخزينة الدولة، وبالتالي هو لا يحتاج نصاً قانونياً عليه".

في المقابل يؤكد العكر ويشدد على أن جميع الأسعار والرسوم مرخصة وموافق عليها من قبل وزارة الاتصالات، ويكمل قائلاً: "تم تغيير بند "رسوم الاشتراك" إلى "بدل خدمة شهرية" عندما طالت القضية في المحكمة حتى لا يحدث لُبس مجدداً، فالرسوم تُجبى لخزينة الدولة أما هذه الأموال بدل خدمة شهرية فهي تعود إلى إيرادات الشركة".

 

لماذا حدث اللُبس في القضية

أكدت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عبر المهندس فلوريد الزربا مدير عام الإدارة العامة في وزارة الاتصالات والتكنولوجيا بأن الوزارة لا تعلق على قرار المحكمة، وتحترمه، ولكنه قال: "هناك قضية شكلية من ناحية الاسم وهي الرسوم الشهرية التي تجبيها شركة الاتصالات حيث ظهر تناقض شكلي بين قرار المحكمة والاسم المستخدم، ومنها ظهرت الإشكالية بأن "بدل الخدمة" الذي تجبيه شركة الاتصالات كان يسمى "رسما" وهناك ظهر تناقض شكلي بين القرار والتسمية، وهنا ظهر بأن المدعي يرى أن شركة الاتصالات تجبي الرسم الذي اعتبره غير قانوني اعتمادًا على عدم وجود سند قانوني بهذا الخصوص وطالب برده، ولكن المحكمة قالت إنه إذا بينت شركة الاتصالات أن هذا الرسم لا يجبى للخزينة وإنما للشركة الخاصة فبالتالي هو لا ينطبق عليه هذا القانون، ولكن لم توضع أمام القاضي البينات الكافية بذلك".

وبالتالي، ومن خلال محاضر القضية، يظهر اللُبس ناتجاً عن عدم تقديم الأدلة الكافية أمام المحكمة من قِبل شركة الاتصالات لتبرهن أن هذه الأموال لا تذهب لخزينة الدولة إنما للشركة ذاتها، وفي هذا الموضوع يعلق العكر بأن جميع البيانات والأدلة كانت مقدمة للمحكمة "ويبدو أن المحكمة لسببٍ أو لآخر لم تقتنع بالأدلة المقدمة ولم تطلب أدلة إضافية".

 

فصل خط الثابت عن النفاذ

بنفس السياق، طالب صلاح هنية وعمار الدويك بأن يتم فصل شراء خدمة خط الانترنت– النفاذ عن عملية شراء الخط الأرضي الثابت، ويؤكد هنية والدويك أن هاتين الخدمتين غير مترابطتين فنياً وتقنياً أبداً، ويرتكزان في مطالبتهما هذه إلى أنه في القانون يمنع إجبار بيع خدمتين غير مترابطتين إلزاماً، ويشرح الزربا: "عندما وقعت الاتفاقية مع شركة الاتصالات شملت العديد من الخدمات الاساسية والمضافة، وتم اعتبار أن خدمة خط الهاتف الأرضي الثابت هي الخدمة الأساسية وكل ما غيرها هي  خدمات إضافية، والاتفاقية سمحت لشركة الاتصالات بأن تقدم خدمة الخط الأرضي الاساسية وأن تقدم خدمات إضافية إذا المشترك أرادها، وحينها كان خط الهاتف الصوتي الأرضي هو الأساسي ولكن كان هناك بعد نظر بشكل معين عند القائمين بأن سمحوا لها بتقديم خدمات مضافة ومن باب الخدمات المضافة الآن يحصل المشترك على خط النفاذ الذي أصبح المشترك يعتبره خدمة أساسية وخط الهاتف الثابت كخدمة إضافية لا يرغب فيها".

بدوره، يقول العكر إن ضرورة وجود خط الأرضي لمشتركي الانترنت هو من أجل ضمان جودة عالية وسرعة في الخدمة، وبأن نظام ال naked ADSL أي الانترنت من دون خط أرضي هو نظام تعمل به عدد قليلٌ من دول العالم لأنه لا يعطي الجودة المطلوبة.

 

هيئة تنظيم قطاع الاتصالات

وقد صدر في 2009 قانون بتشكيل هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بمرسومٍ رئاسي، وفي هذا القانون يظهر دور الهيئة في التنظيم والرقابة على قطاع الاتصالات كاملاً، بحيث من المفترض كما يجري في دول العالم أن يتم اختيارها من المجلس التشريعي دون أن تتبع للسلطة التنفيذية. وبهذا كان أحد بنود المؤتمر المذكور سابقاً من قبل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ومن قبل جمعية حماية المستهلك بأن يتم تشكيل هذه الهيئة التي لم تُشَكل لغاية الآن، ويطالبون بأن تشكل هذه الهيئة من أطراف وأشخاص حياديين وغير تابعين للسلطة التنفيذية حيث تقوم وزارة الاتصالات بعملها في الوقت الراهن من إشراف وتدقيق ومراقبة قطاع الاتصالات كاملاً. ويؤكد الزربا أنهم يرحبون بقيام الهيئة ولكن يعتقدون بضرورية وجود التنظيم بغض النظر عمن ينظم، إن كانت الوزارة أو الهيئة أو غيرها. ووافقته شركة الاتصالات بدورها معبرة عن أنهم يرحبون بأي رقابة.

 

خطط مستقبلية أو قضايا مشابهة

لا يمكن تعميم نتيجة هذه القضية على المشتركين كافة كما يقول الدرعاوي: "أثر الحكم القضائي يرتبط فقط في الخصوم الموجودين في الدعوى، فهذا القرار غير صادر عن محكمة إدارية، لو كان عن القضاء الإداري كان شمل عدداً أكبر من الناس ضمن حدود معينة، وحتى القرار التفسيري لا يمنع حدوث قضايا مشابهة فيما بعد والمطالبة فيها بإعادة الرسم الثابت لأنه ما زال هذا الرسم لا يستند لقرار قانوني"، ولكن في المقابل يؤكد هنية بأنهم سيذهبون للتقاضي باسم جمعية حماية المستهلك حتى لو لم تنجح القضية لأنه من الضروري أن تتم المحاولة.

وتتجدد في هذا العام رخصة شركة الاتصالات الفلسطينية ولكن أكد العكر على أن الرخصة تنظم عمل الشركة ولا تحدد خدماتها، ولهذا يشير إلى أنه من الممكن أن يتم فصل خط الثابت عن النفاذ في حال تطور التكنولوجيا ووصولها لمرحلةٍ متقدمة أكثر، وبدوره يشير الزربا إلى أن فصل الخدمات لربما يكون شيئاً وارداً ولكن من المهم تذكر أنه عند فصل الخدمات ستكون هناك تبعات مادية لأن الخدمتين لهما تكلفة مشتركة وفي حال الفصل قد ترتفع تكلفة كل منهما على حدة.

 

*  طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018