المصور جهاد نخلة.. حياة ليست كأي حياة

 

 

16 عاماً ولم تفارقه، كانت معه في كل لحظاته، اينما ذهب تراها على كتفه، كطفلة مدللة لا تغادر حضن ابيها، إلا ان المرض كان اقوى منها فجعله يفارقها، فراقا ليس هينًا، فمن اعتاد على شيء 16 عاماً ربما سيحتاج إلى ما يشبهها من الأعوام ليعتاد على فراقه.

جهاد نخلة (43 عاماً) ابن مخيم الجلزون شمال رام الله، بدأت رحلته مع ابنته المدللة "الكاميرا" منذ ان كان في السابعة عشرة من عمره، عمل في التصوير الفوتوغرافي في احد الاستوديوهات برام الله عام 1991، تعلم فيه التقاط الصور للأفراح، ولم يكن يعلم أنه سيلتقط في مرحلة لاحقة من حياته، صوراً تناقض الأفراح تماماً حيث مآسي الشعب الفلسطيني إثر احتلال غاشم.

 

سطوع نور صوره

امتلك جهاد كاميرا شخصية عام 1995 أهلته لالتقاط الصور وتعلم التصوير بمختلف مجالاته، وببسمة الواثق من نفسه والمعتزّ بقدرته على التحدي، يتحدث جهاد الذي كان من أوائل المصورين في وكالة الأنباء الفلسطينية وفا عام 1997 مستعيناً بكاميرته الشخصية في عمله، فكان أول عمل صحفي يغطيه هو مؤتمرٌ في مسرح القصبة في المدينة.

لم يكن في التسعينيات، اهتمام بالصورة ومكنوناتها، إلا أن جهاد الذي أدرك معنى الصورة وأهميتها، عزم على تعلم قواعد التصوير الصحافي بشكل أعمق، فالتحق بعدة دورات للتصوير أهمها دورة عقدت برعاية جامعة بيرزيت قدمها آنذاك الاعلامي نبهان خريشة الذي يعتبره جهاد أول معلميه في هذا المجال، وتواصل دخوله لدورات أهلته لأن يكون مصوراً بارعاً، فاصبح يجيد التقاط الصور بشتى أنواعها (الطبيعية، والفوتوغرافية، والصحافية)، فالصورة تتحدث عن نفسها، وتعادل ألف كلمة كما يقول جهاد لـ "الحال".

 

ممنوع من السفر وصوره تسافر

ولا يجلب الاحتلال سوى المنغصات، فكان جهاد ممنوعًا من السفر خارج فلسطين بأمر من الاحتلال، إلا ان صوره لم تقف على حدود الوطن ولم يستطع الاحتلال منعها من السفر كصاحبها، فشارك جهاد بعدة معارض أقيمت في العراق واليونان وفرنسا، معارض لم يكن جهاد حاضراً فيه بجسده، وكانت صوره المميزة تتحدث عنها في كل مكان.

عايش جهاد ما حل بالشعب الفلسطيني من مجازر خلال الانتفاضة الثانية، فعمله في مجال التصوير جعله أكثر قرباً من الواقع، وترك في نفسه أثراً من مشاهد مروعة للأطفال الذين قضوا باستهداف الاحتلال لهم بالصواريخ المميتة، وتمزق أشلائهم.

مذكرات مصوّر

وفي حديثه مع "الحال" يستذكر جهاد افضل صور التقطها خلال عمله الصحفي، فيقول ان افضل صورتين في تاريخه، كانت الأولى خلال مواجهات بين شبان فلسطينيين والاحتلال في جبل الطويل بالبيرة شمال رام الله، عندما اعتقل جنود الاحتلال حينها فتى لم يتجاوز عمره 17 عاماً، ومزقوا ملابسه وأجبروه على المشي فوق الاسلاك الشائكة، فسالت دماؤه من انحاء جسده، هذه الصورة فضحت عنجهية الاحتلال ضد أطفال فلسطين، والصورة الثانية كانت على حاجز قلنديا شمال القدس، حيث عمد جنود الاحتلال الى التنكيل بمسن تجاوز عمره الـ70 عاماً، فلم يسمحوا له بالجلوس وانتظار دوره في عبور آلة التفتيش الإسرائيلية المهينة، ولم يسمحوا له بالوقوف، بل جعلوه يجلس القرفصاء بصورة مرهقة لشيخوخته، فهي لا تصل حدّ الجلوس التام ولا الوقوف التام، فكانت هذه الصور أكثر ما أثر في جهاد المصور وكل من شاهدها.

أما عن أسوأ صورة في مسيرته، فقال جهاد: "التقطتُ صورة لشاب مصاب في رأسه أثناء مواجهات مع الاحتلال في رام الله، أردتُ حينها أن أوثق جرائم الاحتلال، إلا ان سرعة الحدث انعكست على سرعتي في التصوير، الأمر الذي حرمني من التقاط أفضل صورة قد يلتقطها الصحفي في فلسطين، فلم تصلح هذه الصورة حينها للنشر".

ويصف المصور جهاد المصورين الصحفيين الفلسطينيين بأنهم مبدعون في عملهم، ويجيدون التقاط الصور الجميلة والمعبرة عن الحال الفلسطيني في مأساته تارة وفي جوانب الجمال تارة أخرى.

 

المرض يحاصرني

"مرض السرطان المستفحل في جسدي حرمني من ممارسة هواية التصوير"، بحزنٍ عميق يرافقه عبوس في الوجه عبر جهاد عن معايشته الصعبة لمرض السرطان. وراح يضيف: "الصورة الصحفية تحتاج إلى سرعة تفكير قبل التقاطها وهذا ما لا أملكه اليوم، فإصابتي بمرض السرطان في رأسي منذ 5 سنوات أفقدتني أهم الحواس التي يعتمد عليها المصور في عمله، فما عدت قادر على الامساك بكاميرا، او على اتخاذ وضعية التصوير، او حتى التفكير بالحدث قبل تصويره، او ادراك زاوية جميلة ألتقط الصورة منها.

منع الاحتلال جهاد من السفر وهو في في عنفوان شبابه وخضم عمله الصحفي، وحرمه من المشاركة في معارض أو مسابقات للتصوير، ليسمح له فيما بعد بالسفر لغرض العلاج من المرض الذي يأخذ كل ثانية بعضاً من عمره، ويلتهم حواسه الواحدة تلو الأخرى، وكأن سياسة الاحتلال ممنهجة على الانتقام من الصحفي الفلسطيني الذي يعمد كل مرة على فضح الاحتلال ويكون سفيراً لقضيته العادلة عبر كاميرته.
 

*طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018