نابلس: مُهندسات يتجاوزن مهنهن!

 

أطلقت ثلاث وعشرون مهندسة العنان لإبداعاتهن اليدوية، بعيدًا عن تخصصاتهن الأكاديمية، وأشعلن الحياة في قاعات نقابتهن بالمدينة. وباحت أعمال المهندسات ومن معهن من زوجات مهندسين بفنون الطعام والرسم والحلوى والتدوير والمطرزات والنحت والتصميم والتزيين والصابون وغيرها.

تقول مهندسة المعمار لانا الشعّار: "المهندسات يبدعن حتى خارج أعمالهن، وها أنا أرسم الوجوه والشخصيات المشهورة. كل ما على طالب الصورة فعله الجلوس عدة دقائق دون حركة، ليحصل على تذكار خاص بأقلام رصاص".

وتؤكد الشعار، المهندسة حديثة التخرج أنه بوسع المهندسات أن يقدمن الكثير من اللوحات الجميلة، التي تدخل إلى القلوب، وهن بهذا يُعدن تعريف علم الهندسة بطريقة جديدة وجميلة.

 

زركشة

في ركن ثانٍ تقدم ليم خريم مهندسة البناء، التي انهت دراستها قبل خمس سنوات، مائدة حلوى مزركشة، فتمنح قوالب الكعك والشوكلاتة بصمة خاصة. تقول: "تزيين الكعك أيضًا يتطلب  الهندسة والفن، وهذا يعزز من حضورنا، وقد توقف الزائرون مطولاً عند أشغالنا. صحيح أننا نعمل بمجالنا عادة ونشتهر به، لكن من الجميل أن نخرج بعض الوقت للحديث عن مهاراتنا الحياتية".

وتطوّع يمان غزال، وهي زوجة المهندس بهاء تفاحة أطباق الحلوى والطعام بهندسة متأثرة من شريك حياتها، فتُقدم على طبق ما أنتجته في وقت قصير، ويفتح الشهية. تقول: "كل شيء تغير، وما عاد الناس يملكون وقتًا للاهتمام بما يأكلون، وانتشرت الوجبات السريعة، إلا أننا قدمنا نموذج العودة إلى الذات، وتزيين المائدة وصناعة الحلوى والطعام بشيء يفتح الشهية".

ولم تكن مسيرة فاطمة الفني يسيرة، فقد تأخر تخرجها في هندسة المعمار من عام 1985 إلى ما بعد تسع سنوات أخرى، بفعل انتفاضة الحجارة، لكن ما تقدمه من معجنات وأطعمة بيتية ينساب بسلاسة، وتشجع المتسوقين على تقليدها في بيوتهم.

تقول: "الجميل في معرضنا ومهاراتنا أننا نسينا الهندسة ودخلنا في مجالات جديدة، ولم نعد إلى مهارتنا الأساسية إلا في طريقة العرض والتزيين، وهو ما جعلنا نختلف عن كل المعارض الدارجة".

 

ذوق 

وحسب رئيسة لجنة مهندسات نابلس لانا الصدّر، فإن بازار المدينة الأول جمع بين الطعام والفن والحلوى والمطرزات والتحف والصابون والمنظفات والرسم، وقدّم إبداعات المهندسات في غير تخصصن الأم.

تقول: "نحب شعب طموح، ولا نعرف اليأس، وقادرون على أن نبدع بأدوات بسيطة، دون الحاجة لممولين ومانحين. وقدمنا للزوار وللعامة رسالة تعيد التعريف بالمهندسات، وتقدم لهن سيرة ذاتية لإشغالهن اليدوية وهواياتهن وأذواقهن الرفيعة".

وتضيف: منحنا الفرصة لثلاثة وعشرين مهندسة وزوجات المهندسين للتعريف بإبداعاتهن، وهو معرض سيتكرر بالتأكيد مستقبلاً.

تعمل هويدا أبو يعقوب وزوجها المهندس ظافر جبر في تطويع زيت الزيتون وتحويله إلى صابون منذ 5 سنوات، واستطاع الزوجان تقديم الجديد من صابون العسل وحليب الماعز وحبة البركة وطين البحر ونبات اللافندر الفرنسي. 

تقول أبو يعقوب: "وصلنا بإنتاجنا إلى ألمانيا وبريطانيا، ونخطط للتسويق في دول الخليج، وأهم ما نقدمه للناس تشجيعهم على العودة إلى الطبيعة، التي بالتأكيد لن تضرهم مثل الكيماويات".

في ركن مجاور، تقف مهندسة الكيماويات مها فقهاء للحديث عن إنتاجها المشترك مع رفيق دربها المهندس في الحقل ذاته عبد الله دويكات، فتقول: حين نتحدث عن الكيماويات، فإننا بطبيعة الحال لن نسرف في استعمالها، فمثلا لن نغسل أيدينا بالكلور، ولن ندخلها إلى أجوافنا.

وقد استطاعت مها وشريكها تأسيس عملهما الخاص، وشرعا في إنتاج أصناف جديدة من مواد التنظيف، ويسعيان لاختراق الحدود في بضاعتهما.

 

تدوير

تملك المهندسة المعمارية سماح أسعد مهارة خاصة، فهي بدأت منذ سنوات الاهتمام بتدوير المواد المختلفة، وصارت تصنع من الأشياء المهملة أو المرشحة لدخول حاويات القمامة تحفًا وإبداعات فنية.

في ركن سماح خامات قماش وورق صحف قديمة وبلاستيك وزجاج مهمل وعلب معدنية، صارت تشكل نحو 130 نموذجًا فنيًا لمطرزات وتحف وأدوات منزلية جميلة.

تقول: "لم يصدق الناس أن مهندسة معمارية تجمع المواد المستعملة والقديمة، ولا تلقي بنفايات منزلها في المهملات، وتصنع من ذلك كلة مشغولات يدوية وإكسسوارات".

ووفق سماح، فإنها لم تكتف بعرض أشغالها، التي استفادت من الهندسة في تزيينها وتقديمها بشكل لافت، بل أصبحت تدرب سيدات وأطفالا على طريقة إنتاجها، في رسالة للعودة إلى التدوير، والتخفيف عن كاهل البيئة من النفايات.

 

ألوان

وبالنسبة للمهندسة نورا خريم، فإن عملها في مجال التطريز يتعدى الهواية، فهي التي بدأت بنسيج متين لا تتغير خيوطه مع الزمن، وقدمت أشكال زينة عديدة كالحلي والخواتم، وصارت اليوم تشغّل 6 عائلات معها.

تقول: "على المهندسة أن تتفوق على نفسها وغيرها، وتساعد المجتمع ليس في بناء المنازل، بل في استمرارها ودعم اقتصادها".

والحال نفسه للمهندسة الكيماوية نهلة سلامة، التي تمارس التطريز في أوقات فراغها، وتضيف للتحف ومقتنيات المنزل لمسات تراثية.

وتعيد الكيماوية نهاوند سوقية تعريف الهندسة بالعودة إلى الطبيعة، فتضيف للصابون ومساحيق التجميل خلاصات طبيعية، كالعسل واللافندر. وتقول: "العودة إلى الطبيعة مهمة، وهي تحمي البشرة من التجاعيد والهرم المبكر، وتجعل من يداوم عليها في ريعان الشباب".

وتنحاز المعمارية هند الشنار لتصميم بطاقات أفراح ومناسبات بشكل يدوي وفني، تتفوق على المستوردة منها. تفيد: "العلاقة بين المهندسة والفن وثيقة، فدون فن لن نستطيع فعل شيء، وحتى لو أرادات المهندسة ترتيب أثاث منزلها أو تقديم الضيافة فإنها ستتفوق كثيرًا في ذلك".

 

فنون

فيما تجمع ميس رسل أبو صاع، خريجة الفنون الجميلة وزجة المهندس خطاب تكروري بين الفن والبيئة والإبداع. تسرد: أعيد استخدام كل شيء تقريباً من مخلفات المنزل، ولا ألقي ببذور الفواكه أو قشور الكثير منها في النفايات، وأجمع البلاستيك المهمل، واستخدم التراب في لوحاتي وألواني، وأرسم أيضا بالقهوة والنسكافيه، وأطلب من جيراني إرسال الكثير من بقايا الفواكه والخضروات والبلاستيك والزجاح.

تقول: "لا يصدق من يشاهد أشغالي وتحفي وإكسسواراتي أنها من بقايا الليمون وبذور الدراق والتمر الهندي والكرتون والبلاستيك المهمل وبقايا بلاط المصانع المكسور، وأسلاك النحاس".

ووفق أبو صاع، التي ولدت عام 1976، وبدأت بالرسم في الثانية عشرة من عمرها، متأثرة بوالدها الفنان الراحل، فإن من يريد التميز في عمله فعليه ألا يفكر بطريقة نمطية، بل يبحث عن زوايا جديدة وإبداعية، والأهم أن يعود لطبيعته وبيئته، فهي غنية وجميلة".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018