لماذا يعد الذهب الاستثمار الأقل أمانًا في الاقتصاد الفلسطيني؟

يعاني الاقتصاد الفلسطيني من ضعفٍ وقصور في جميع جوانبه، أثر بشكل واضح على الحياة اليومية للمواطنين، نظراً للظروف السياسية المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى الانقسام السياسي الذي ما زال أحد أسباب تفكك البنية الاقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة، منذ قرابة العشر سنوات.

وثمة مشكلة بدأت تطفو على السطح، وهي ضعف الثقة بالذهب كخيار "للادخار الآمن"، أو ما يطلق عليه اصطلاحاً الاستثمار في "المعدن الأصفر".

بدايةً، يعتبر القطاع الاستهلاكي الأوفر حظاً من نصيب دخل الفرد في الاقتصاد الفلسطيني، ويبلغ الميل الحدي للاستهلاك ما نسبته 84% من دخل الفرد، بينما بلغ الميل الحدي للادخار ما نسبته 16% من دخل الفرد، ويُعرف الميل الحدي للاستهلاك بنسبة الاستهلاك العام إلى الدخل الذي يحصل عليه المواطن في السنة.

ويلجأ غالبية المستثمرين إلى الاستثمار في الذهب كخيار آمن في مواجهة الظروف الصعبة التي قد تحيط بهم مستقبلاً، اما عن هذه الفئة فهم عادةً المواطنون من ذوي الدخل المتوسط والمرتفع الذين يشكلون النسبة الكبرى من التركيبة السكانية للمجتمع الفلسطيني، إضافة لشريحة المقبلين على الزواج، وبحسب بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني فقد بلغ التعداد السكاني في الاراض الفلسطينية 4.75 مليون نسمة للعام المنصرم 2015.

وتعطي العديد من الدول أهمية كبيرة للذهب؛ نظرًا لاستعماله في دعم قيمة النقد، واستخدامه في الحلي والزينة؛ لارتفاع قيمته السوقية والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة، إضافة الى الخصائص الفريدة التي تميزه عن العديد من المعادن؛ فهو يمتاز بالليونة، والقابلية للسحب والتشكيل، ويقاوم التآكل، ويمكن مزجه بالعديد من الفلزات كالنحاس أو الفضة.

وتعاني شريحة المستثمرين في الذهب في الأراضي الفلسطينية من فجوة كبيرة في عملية التبادل بين أسعار الشراء والبيع للذهب في السوق المحلي، وبين أسعاره في الأسواق الخارجية، وتصل فروقات الأسعار في كثير من الأحيان الى 25%.

وعند الحديث عن الأسباب الحقيقة لهذه الخسارة، يمكن الإشارة إلى تحمل التاجر الفلسطيني درجة عالية من المخاطرة لإدخال كميات الذهب إلى السوق المحلي، وفقاً لما أشار إليه العديد من تجار الذهب في غزة الذين أكدوا لـ"الحال" أن تكلفة تهريب الذهب للأسواق المحلية تصل أربعة آلاف دينار أردني لكل ألف غرام من الذهب.

عامر جمال تاجر ذهب يعمل في هذه المهنة منذ 25 عاماً أشار إلى ان الاحتلال الإسرائيلي لم يسمح بإدراج الذهب ضمن السلع الواردة للسوق المحلي، رغم المطالبات العديدة بضرورة إدراجه ضمن الواردات السلعية. 

جهاد راضي تاجر ذهب آخر حمل المسؤولية لوزارة الاقتصاد الوطني التي تفرض ضريبة إضافية على الذهب تعرف بـ"دمغة الذهب" منذ ما يزيد على 10 سنوات، وتبلغ دينارين لكل غرام من الذهب المستورد من الخارج، ونصف دينار لكل غرام أُعيدت سباكته محليا.

وأضاف: هذه الضريبة قد تدفع مرتين للحكومتين في رام الله وغزة في حالة تم استيراد الذهب من الضفة الغربية، وهو ما يعرف بازدواجية الضريبة، وهذا ما لا ينص عليه القانون الفلسطيني الذي يقر بالامتناع عن دفع الضريبة لأكثر من مصدر.

مصدر مسؤول في سلطة النقد الفلسطينية رفض كشف هويته، قال إن حجم احتياطات السوق الفلسطيني بلغت 400 سبيكة من الذهب، وهي غير قادرة على تلبية الطلب الحالي للسوق المحلي، ويعتبر هذا الرقم متدنيا جداً بالمقارنة مع غيره من الاقتصاديات الأخرى، وعند الحديث مع نفس المصدر، أشار الى أن هذه النوعية من البيانات لا تصرح بها سلطة النقد الفلسطينية لاعتبارات عديدة لعل أبرزها: الخوف من هروب المستثمرين من السوق الفلسطيني الذي ما زال يعاني من ضعف التداول؛ بسبب الإجراءات الإسرائيلية وظروف عدم الاستقرار السياسي والأمني التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.

مدير عام المديرية العامة للذهب والمعادن الثمينة في وزارة الاقتصاد المهندس جمال مطر أشار في حديثه لصحيفة الحال إلى أن حجم تداول الذهب المتداول في قطاع غزة للعام المنصرم 2015 بلغ 2700 كيلو جرام، واستحوذ الذهب عيار 21 على النسبة الكبرى للتداول بنسبة تجاوزت 90% للكمية المذكورة، وفي حديثه عن الضريبة المفروضة من قبل الوزارة على الذهب المسوغ، أشار الى أن هذه الضريبة تم إقرارها بقرار من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في عام 1999 وهي تنقسم الى دمغة الذهب وضريبة القيمة المضافة وتفرض الضريبة بشكل تصاعدي على 5 أنواع من الذهب الوارد حسب الجودة.

اما عن القرار الإسرائيلي الصادر في 29/3/2016 الخاص بمنع دخول الذهب لقطاع غزة، فقد أشار الى أن هذا القرار يعتبر قراراً اعلامياً، ولن يؤثر على تداوله في الأسواق؛ لان الجانب الإسرائيلي يمنع دخول الذهب للأراضي الفلسطينية.

أستاذ الاقتصاد في الجامعة الإسلامية ووزير الاقتصاد السابق الدكتور علاء الرفاتي في حديثه لصحيفة الحال، أشار الى انه من الخطأ مقارنة سوق الذهب الفلسطيني بغيره من الأسواق الخارجية لعدة اعتبارات لعل أبرزها تحكم الجانب الإسرائيلي بالواردات الفلسطينية، إضافة الى افتقار السوق الفلسطينية لبنى تحتية تلائم هذا النوع من الاستثمار، وفي تعقيبه على احتياطيات سلطة النقد من الذهب أشار الى ان تلك الاحتياطات ليست بالمهمة نظراً لافتقار الأراضي السلطة لعملة تداول خاصة فيها للمحافظة على سعر الصرف.

أما عن رؤيته لتوسيع نشاط الذهب في الأراضي الفلسطينية، فقد أشار الى أن على الجهات المعنية القيام بخطوات جدية أولاها تحسين أداء عمل البورصة الفلسطينية وفتح منافذ لاستثمار الذهب في البورصات العالمية، والضغط على الجانب الإسرائيلي للسماح بإدخال الذهب من المعابر التجارية كغيره من الواردات

وفي ظل الأوضاع الحالية التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، لا يمكن ان تحدث مثل هذه التطلعات والآمال دون القيام بإجراءات عملية تستهدف حماية الذهب من أي معوقات ومضايقات قد تؤثر على قيمته الحقيقية، وتداوله في السوق العالمي.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018