"التيه والزيتون" لأنور حامد..  عنف في المفارقة وتنوع في النقد

 

بمفارقة وتناص عنيفين، أصدر الأديب الفلسطيني أنور حامد روايته الأخيرة بعنوان "التيه والزيتون"، معلناً منذ البداية تمرد النص وعنف الدلالات في هذه الرواية التي أثارت ضجة كبيرة بين القراء والنقاد الذين انقسموا بنقدهم بين الإيجابي والسلبي، كل من زاوية قراءته.

وتدور أحداث الرواية حول الفلسطيني منير حمدان الذي لا يكون إلا مغترباً والذي يعود إلى أرضه فلسطين التي ما زالت قابعة تحت الاحتلال، يذهب إلى الشق المحتل المتمثل بيافا وحيفا وعكا وهو "الضفاوي" من الناصية الأخرى للوطن، فيرى الأمور بعين ناقدة وينقد المشهد والواقع عبر شخصيات تتصارع بداخلها بين مشاعر الكره والحب، وثنائيات أخرى متنافرة.

هذا التناقض في بنية الشخصيات يستفز القارئ ليكمل النص حتى ما وراء الكلمة الأخيرة. اللافت بالرواية هو تركيز الكاتب هذه المرة على شريحة من الفلسطينيين هي فلسطينيو الداخل، مستعرضاً واقعهم بكل تناقضاته وتجلياته.

في متحف محمود درويش، وقع أنور حامد روايته وسط مجموعة كبيرة من الحضور، وحاوره الدكتور سامي الكيلاني، الذي انتقد تناقض الشخصيات وبلاستيكيتها على حد تعبيره، حيث اعتبر أن قصة الحب في الرواية أشبه بقصة مجوسية لا يمكن تصديقها أو إسقاطها على البنية الفلسطينية الحالية، وهي قصة لا تقنع القارئ الفلسطيني المطلع على الوضع الذي يعيشه أصلاً.

أما عن الشخصيات، فقد رآها الكيلاني بلاستيكية ومتناقضة إلى حد كبير، حيث رأى أن من السقطات في كتابة رواية أنور أن جميع شخصيات التي اختارها أنور استثنائية، ما حرم القارئ العربي من رؤية بانورامية تشكل المشهد الفلسطيني في حيفا، وبالتالي برزت الشخصيات على أنها شخصيات غرائبية في أجواء ليست طبيعية، وفي جو يبدو مفتعلاً ومصطنعًا ولم تغفر له اللغة الشعبية التي حاول أن يضمنها الرواية بين النصوص هذا البعد بين الشخصيات الغرائبية والخلفية الطبيعية للجو الفلسطيني.

هذا النقد استقبله أنور حامد بصدر رحب ولم يحاول تفنيده بل اكتفى بالقول إنه ككاتب يسعد جدا بالنقد، ويحب أن يتلقى النقد اللاذع من جمهوره، فالرواية الجيدة لا تتلقى المدح دائما بل يجب أن تقرأ من زوايا مختلفة تنقد أحياناً.

وأكد حامد أن العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة معقدة، تحكمها اعتبارات متعلقة بكليهما. والقارئ دائما محق، حتى لو أحب أو كره ما تكتب للسبب الخطأ. نعم، "هناك قراء أحبوا إحدى رواياتي لاعتقادهم أنها تنقل وجهة النظر الفلسطينية للقارئ الأوروبي وآخرون كرهوا رواية أخرى لان إحدى شخصياتها الشعبية تستخدم عبارات نابية، وغير ذلك الكثير من الاعتبارات التي لا علاقة لها بالقيمة الأدبية للعمل، لكنني حين أستمع إلى هذا أو ذاك دائما أبتسم بحب وأحس بالعرفان لأنهم قرأوا الرواية إلى آخرها".

أما أستاذ الأدب الفلسطيني بجامعة بيرزيت موسى خوري، فيخالف الكيلاني بنقده للرواية، حيث يرى أن حامد في الرواية ينزاح لفلسطينيي الداخل، ويلامس بشكل شفيف تشظياتهم الجوانية والبرانية، وتوصيفاتهم الملتبسة لأنصافهم المشلعة في الضفة الغربية، وتوزعهم بين رفض وقبول إملاءات سلطتهم الثقافية وهويتهم الحائرة، في الوطن المنفى الذي لا يضاهيه وطن آخر. الرواية مغمورة بوطن من ثنائيات أولها التيه لا بأس، وثانيها الزيتون الذي يحيل على الثبات والقدم والعراقة، الرواية مغمورة مع كل التشظي الذي يلفها بصوت فلسطيني لم يفلح الآخر بشطب هويته، أو دمجه في محيط قد يظهر للعين غير المدققة أنه مدمج فيها بالفعل، لكن أنور حامد الذي غاص في العمق يجد أن ظاهر الجبل الجليدي الخفيف الذي يكتفي به غير المدققين بحسب فيجوتسكي لا يبوح بتفاصيل العوالم التحتانية الثقيلة للجبل الجليدي الذي يغوص في البحر الأبيض المتوسط مزهوا بفلسطينيته منذ القدم.

أما الكاتب الفلسطيني أحمد جابر فقد نقد الرواية كاتباً: أنور حامد أعد لنا صورة في إطار "إشكاليات الهوية"، بين الفلسطيني والإسرائيلي، بين الضفاوي وفلسطيني الداخل، بين الرأي والرأي الآخر، في الامتزاج بين الهويتين. كتب الروح الفلسطينية الندية في مواجهة ضابط الأمن الإسرائيلي الذي تبين فيما بعد أنه درزي يخدم لمصلحة إسرائيل، معتمداً على جواز السفر الأوروبي، لا الهوية الفلسطينية. كتب فلسطيني الداخل المحتل واختلاط اللهجة الفلسطينية بالعبارات العبرية. استذكر التاريخ ووضعه أمام العيون، فسأل: بماذا تبوح لسكانها الشرفات في الأمسيات؟، هذه الشرفات التي شهدت سهرات جدي وجدتي ماذا عساها تخبر سكانها الجدد المحتلين؟". طرح مشكلة المسميات الجارحة التي تشربت في ألسنة الضفاويين، فبدلاً من تسميتهم بفلسطينيي الداخل، صاروا عرب إسرائيل، عرب الـ 48، عرب الشيمينت، الذين بدورهم يتهمون أهل الضفة بعدم الترتيب والنظافة خصوصاً عند زيارة البحر.

أثارت رواية حامد الكثير من النقد الذي انقسم بين ايجابي وسلبي، لكنه انتشر بشكل واسع. ويبقى القول الفصل دائماً للقارئ، ويبقى النقد دائماً داعماً للكاتب والمؤلف، والمهم أن الرواية تمكنت من إثارة العديد من التساؤلات التي قد تشكل محاولة الإجابة عنها زيادة في حدة وتوتر هذه الأسئلة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018