هذه المشاكل جففت "بترول" غزة

 

فقد فصل الربيع بهجته ورونقه في مناطق شمال غرب مدينة رفح، بعد اختفاء مئات الدونمات التي كانت تزرع بالزهور ذات الألوان الزاهية والروائح العطرة.

فلم تعد تشم رائحة ورد الجوري والقرنفل، ولا تشاهد الزهرات الحمراء والصفراء، وبدت الدفيئات التي كان يزرع فيها الورد جرداء قاحلة، عدا القليل منها، بينما زرعت أخرى بالطماطم والخيار.

أما مزارعو الورد ممن اكتسبوا خبرات كبيرة في هذا المجال عبر أكثر من 15 عاماً من الزراعة، فلم يعودوا بحاجة لتلك الخبرات.

مزارع كانت تعج بالجمال، وقرنفل غزي كان يُطلب خصيصا على مدار أعوام، فجاء الحصار ووقف الورد عند المعبر، عاجزاً عن الخروج حتى يذبل ويضيع عطره ويصبح طعاما للدواب.

 

زراعة تندثر

يقول المزارع محمد حجازي، من أكبر مزارعي الزهور، إن ما كان يطلق عليه في السابق "بترول غزة"، وكان يدر عشرات ملايين الدولارات يتراجع عاماً بعد عام، والآن شبه مختفٍ.

ويشير حجازي في حديث مع "الحال"، إلى أن الأراضي المزروعة بالورد في مدينة رفح تجاوزت مساحتها 1100 دونم في عامي 1999-2000، لكن هذه المساحة بدأت تنخفض عاماً بعد عام، وتزايد الانخفاض بعد الانقسام والتشديدات على المعابر، حتى وصل في العام الحالي إلى أقل من 30 دونماً.

ويتحسر حجازي على ما أصاب ورود غزة، التي كانت تتمتع بـسمعة طيبة في كل القارة الأوروبية خاصة هولندا، ويصدر منها ملايين الزهور سنوياً، لكن وقف الزراعة كان اضطرارياً خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، فتكلفة زراعة الدونم الواحد تتراوح ما بين 6-15 ألف دولار، ويستغرق إنتاج الزهور وقتاً قد يزيد على ستة أشهر، كما أنها بحاجة إلى عناية فائقة، وأدوية ومياه عذبة، وهذا أمر مرهق للمزارع.

ويعزو حجازي أسباب الانتكاسة التي أصابت قطاع الزهور إلى كلفة الزراعة العالية جدا، وعراقيل التصدير، فالتجار في أوروبا كانوا يتفقون مع المزارعين على التصدير والمزارعون يجهزون زهورهم، لكن في كل عام كانت تحدث مشكلة، إما تصعيد أمني يغلق المعابر، أو أعياد يهودية يغلق خلالها معبر كرم أبو سالم في ذروة موسم التصدير، وأحيانا حجج وعراقيل إسرائيلية مجهولة الأسباب.

ويؤكد أن هذا خلف حالة عدم وثوق بالمزارعين الفلسطينيين، فتوجه المستوردون لمصادر أكثر مصداقية، ومزارعين في دول أخرى قادرين على الإيفاء بالطلبيات في موعدها، وهذا كان على حساب المزارع الفلسطيني.

وحسب حجازي، فقد كانت ملايين الزهور خلال الأعوام الماضية توضع كطعام للمواشي، وأخرى توزع مجاناً، خاصة أن السوق المحلية لم تكن قادرة على استيعاب الإنتاج الكبير، المعد للتصدير.

 

أسباب متعددة

بدوره، يشرح خبير الاقتصاد محمد سكيك، المتابع لحركة التصدير على معبر كرم أبو سالم، حالة تراجع زراعة الزهور في قطاع غزة عازياً ذلك إلى تراجع الممولين عن دعم هذا القطاع، فخلال سنوات دعمت هولندا قطاع زراعة الزهور في غزة، وسهلت عمليات التصدير، وفتحت أسواقها للورود المنتجة في القطاع، لكن الآن لم يعد هذا ضمن اهتمامهم.

ويوضح سكيك أنه حتى لو زرعت الزهور على كلفة المزارعين، فإن الخسارة ستكون حليفتهم، فلا الأسواق المحلية قادرة على استقبال هذه الورود، التي هي أصلا لا تقع ضمن أولويات المواطنين المنشغلين بتوفير المأكل والملبس والاحتياجات الأساسية، ولا المعابر تعمل بانتظام، والتصدير من القطاع في أسوأ أحواله.

ويؤكد سكيك أن عودة قطاع زراعة الزهور للانتعاش بحاجة إلى أمرين، وجود جهة داعمة تساعد المزارعين، وعمليات تصدير سلسة ومضمونة في أوقات الإنتاج، وكلا الأمرين غير متوفر.

 

إنتاج محدود

ويقول أحد ملاك محلات الورود في مدينة رفح، ويدعى عمار أبو شمالة، إن إنتاج الورود حالياً أصبح لا يكفي السوق المحلية، على الرغم من جودة الورد المحلي العالية وجمال ألوانه ورائحته وأشكاله الجذابة، وهذا يضطرنا خلال المواسم كالفالانتاين ويوم الأم إلى استيراد الورد من إسرائيل لتغطية العجز، ناهيك عن أسعاره العالية، وما يتعرض له خلال الوصول إلينا من ذبول وضرر يؤذي شكله وجماله.

ويضيف أن مزارعي الورد انصرفوا عنه بسبب الخسائر ووقف التمويل، ليقتصر فقط على ثلاث عائلات بغزة وهم عائلة حجازي وصيام والقاضي.

ويذكر أن الورد في الفترات السابقة رغم الحصار كان يتم تصديره عبر الأنفاق، ولكن حاليا مع الإغلاق وتدمير الأنفاق، قل من يزرعون الورد لأنهم لم يجدوا أي دعم ولأن مصيرهم الخسارة.

 

من إنتاج دورة التقارير الاقتصادية التي نفذها مركز تطوير الإعلام في غزة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018